تكنولوجيا

ما لا تستطيع الآلات تعلمه.. لماذا لن يصل الذكاء الاصطناعي إلى مستوى البشر؟

كريترنيوز/ متابعات /السيد محمود المتولي

 

رغم التطور الهائل الذي حققه الذكاء الاصطناعي خلال السنوات الأخيرة، وظهور أنظمة قادرة على كتابة النصوص وتحليل البيانات وإنجاز مهام كانت تحتاج سابقاً إلى قدرات بشرية، يرى بعض العلماء أن هناك حدوداً تمنع الآلات من الوصول إلى مستوى الذكاء البشري الكامل.

ويستند هذا الرأي إلى تحليل جديد لعالم الحاسوب بيتر جيه دينينغ، الذي يرى أن مسار أبحاث الذكاء الاصطناعي خلال العقود الماضية بُني جزئياً على افتراضات ربما تكون غير صحيحة، أبرزها إمكانية فصل الذكاء عن الجسد البشري وتحويله بالكامل إلى برنامج حاسوبي.

ويشير دينينغ في تحليله إلى أن أفكار عالم الرياضيات البريطاني آلان تورينج، أحد مؤسسي علوم الحاسوب الحديثة، ساهمت في توجيه أبحاث الذكاء الاصطناعي نحو محاولة بناء آلات قادرة على محاكاة التفكير البشري، خصوصاً عبر ما يعرف بـ”اختبار تورينج”، الذي يقوم على معرفة ما إذا كان الإنسان يستطيع التمييز بين محادثة مع آلة وأخرى مع إنسان.

لكن دينينغ يرى أن هذا الاختبار لا يثبت امتلاك الآلة للذكاء الحقيقي، بل يختبر قدرتها على تقليد السلوك البشري فقط وفق scitechdaily.

ما لا تستطيع الآلات تعلمه

يركز التحليل على مفهوم مهم يسمى “المعرفة الضمنية”، وهي مجموعة ضخمة من الخبرات والفهم الذي يمتلكه الإنسان دون أن يكون قادراً على تحويله إلى قواعد أو تعليمات واضحة.

فالإنسان لا يعتمد فقط على المعلومات المحفوظة، بل يستخدم الحس السليم، والخبرة اليومية، والمشاعر، والتجارب الشخصية، والثقافة الاجتماعية عند اتخاذ القرارات.

ويرى دينينغ أن هذه الجوانب تمثل تحدياً كبيراً أمام الذكاء الاصطناعي، لأن الآلات تتعامل مع البيانات والرموز، بينما يعتمد الإنسان على فهم أعمق مرتبط بالتجربة والوجود الجسدي.

ويشير إلى أن محاولات العلماء خلال العقود الماضية لتسجيل المعرفة البشرية وتحويلها إلى قواعد حاسوبية لم تحقق الهدف المطلوب، ومن أبرز الأمثلة مشروع “Cyc” الذي بدأ في الثمانينيات بهدف بناء قاعدة بيانات ضخمة تضم الحقائق البديهية التي يعرفها البشر بشكل طبيعي، لكنه لم يتمكن رغم ملايين المدخلات من إعادة إنتاج الفهم الإنساني الكامل.

فرق جوهري

يرى دينينغ أن هناك فرقاً كبيراً بين “معرفة ماذا” و”معرفة كيف”.

فالآلة يمكنها تخزين معلومات حول كيفية عزف مقطوعة موسيقية أو خطوات تنفيذ مهمة معينة، لكنها لا تفهم المهارة الحقيقية التي يمتلكها الإنسان أثناء الأداء.

ويقدم الموسيقى مثالاً واضحاً، فعازف الكمان المحترف يستطيع إنتاج لحن مؤثر، لكنه قد لا يكون قادراً على شرح كل التفاصيل الدقيقة التي تجعله يعزف بهذه الطريقة، مثل الإحساس بالإيقاع، والتفاعل العاطفي مع الموسيقى، والتغيرات الصغيرة التي تحدث أثناء العزف.

ويرى الباحث أن هذه المهارات مرتبطة بالجسد والمشاعر والتجربة الإنسانية، وهي أمور يصعب تحويلها إلى تعليمات برمجية.

مشكلة المعنى والسياق

من أكبر التحديات أمام الذكاء الاصطناعي، وفقاً لدينينغ، مشكلة فهم المعنى الحقيقي للكلمات.

فالنماذج اللغوية الكبيرة مثل شات جي بي تي وكلود وجيمناي، تستطيع تحليل كميات ضخمة من النصوص وإنتاج إجابات تبدو ذكية، لكنها تعتمد على معالجة الأنماط اللغوية، وليس على تجربة المعنى بالطريقة التي يعيشها الإنسان.

عندما يقول شخص عبارة معينة، فإن معناها قد يتغير حسب الموقف ونبرة الصوت والعلاقة بين الأشخاص والسياق الثقافي، وقد يفهم الإنسان السخرية أو المزاح أو الغضب بسهولة بسبب خبرته الاجتماعية، بينما تواجه الآلات صعوبة في الوصول إلى هذا الفهم العميق.

ماذا يعني ذلك؟

رغم اعتقاد دينينغ بأن الذكاء الاصطناعي قد لا يصل إلى مستوى الإنسان، فإنه يحذر من أن هذا لا يعني أنه غير قادر على إحداث مخاطر.

ويرى أن الخطر الحقيقي قد لا يكون ظهور آلة فائقة الذكاء تتجاوز البشر، بل انتشار أنظمة ذكية أقل قدرة لكنها تعمل على نطاق واسع، وتتخذ قرارات معقدة بطريقة لا يستطيع البشر فهمها أو التحكم فيها بشكل كامل.

ويؤكد أن عدم امتلاك الآلة للذكاء البشري لا يعني أنها ستتصرف دائماً بما يتوافق مع أهداف الإنسان، خصوصاً إذا كانت تفتقر إلى فهم السياق والقيم والمعاني الإنسانية.

مستقبل العلاقة بين الإنسان والآلة

يرى أصحاب هذا الاتجاه أن مستقبل الذكاء الاصطناعي لن يكون سباقاً للوصول إلى نسخة آلية من العقل البشري، بل تطوير أدوات تساعد الإنسان دون محاولة استبداله بالكامل.

فالذكاء البشري لا يعتمد فقط على الحساب والقدرة على معالجة المعلومات، بل يرتبط بالوعي والتجربة والمشاعر والثقافة والتفاعل مع العالم.

الآلات قد تصبح أكثر قدرة وسرعة في مجالات كثيرة، لكنها تبقى مختلفة جذرياً عن الإنسان، لأن الفارق الأساسي ليس في كمية المعلومات التي يمتلكها كل طرف، بل في الطريقة التي يفهم بها العالم من حوله.

زر الذهاب إلى الأعلى