ولادة تحت الحراسة.. لقطات نادرة توثق لحظة استقبال مولود حوت عنبر

في إنجاز علمي لافت، نجح فريق من الباحثين في توثيق ولادة حوت عنبر في البرية باستخدام طائرة مسيّرة، في مشهد نادر أتاح رؤية غير مسبوقة للسلوك الاجتماعي المعقد لهذه الكائنات البحرية، خاصة ما يتعلق بالتعاون الجماعي في رعاية المواليد.
ووقعت الحادثة في 8 يوليو 2023 قبالة سواحل جزيرة دومينيكا في شرق البحر الكاريبي، حيث رصدت الكاميرات الجوية لحظات ولادة صغير حوت العنبر، ضمن مجموعة مكونة من 11 حوتا، بينها ثمانية بالغة وثلاثة صغار، جميعها معروفة مسبقا لدى الباحثين نتيجة دراسات ممتدة لأكثر من 20 عاما، وفقا لموقع iflscience.
تعاون يتجاوز الروابط العائلية
أظهرت اللقطات سلوكا استثنائيا تمثل في تعاون حيتان من مجموعتين مختلفتين، لا تجتمعان عادة، لمساعدة الأنثى الحامل، المعروفة باسم “راوندر”، خلال المخاض وبعد الولادة.
وشاركت الحيتان، سواء كانت مرتبطة قرابيا أو لا، في دعم المولود الجديد ورفعه إلى سطح الماء لتمكينه من التنفس خلال ساعاته الأولى.
ويكتسب هذا السلوك أهمية خاصة، إذ تولد صغار حيتان العنبر بوزن يجعلها غير قادرة على الطفو، ما يفرض الحاجة إلى دعم جماعي للبقاء على قيد الحياة، وبحسب الباحثين، يمثل هذا أول دليل كمي على وجود مساعدة تعاونية في الولادة خارج نطاق الرئيسيات.
تفاصيل عملية الولادة
بدأت عملية الولادة عند الساعة 11:12 صباحا، واستمرت نحو 34 دقيقة، حيث أحاطت الإناث البالغات بالأم في تشكيل دائري، وبعد خروج المولود، تناوبت الحيتان على رفعه إلى السطح لمدة تقارب الساعة، قبل أن تعود المجموعة تدريجيا إلى أنماطها الطبيعية في البحث عن الغذاء بعد مرور ساعتين إلى ثلاث ساعات.
كما رصد الفريق ما وصفه بـ”مجموعة أساسية” حافظت على اتصال جسدي مستمر مع الصغير، ضمت الأم، وأفرادا آخرين بينهم إناث غير مرتبطة بها، في مؤشر واضح على أن التعاون لا يقتصر على الروابط العائلية المباشرة.
تفاعلات مع أنواع بحرية أخرى
وخلال الحدث، جذبت الولادة انتباه أنواع بحرية أخرى، منها الحيتان الطيارة قصيرة الزعانف ودلافين فريزر، حيث اقتربت من موقع الولادة، ما أثر على حركة المجموعة وأدى إلى تباطؤها.
وسُجلت أيضا تفاعلات حذرة، تضمنت تموضع الحيتان البالغة بين المولود وتلك الأنواع، في سلوك يُفسر على أنه حماية للصغير.
كما وثّقت التسجيلات الصوتية أنماطا مختلفة من النقرات والإشارات الصوتية خلال مراحل الولادة، ما قد يشير إلى وجود تواصل معقد بين أفراد المجموعة، وربما لعب دورا في جذب الأنواع الأخرى إلى الموقع.
أهمية علمية واستثنائية
تكتسب هذه المشاهد أهمية كبيرة في الأوساط العلمية، إذ لم يُسجل سوى حدث واحد مشابه لولادة حوت عنبر خلال العقود الستة الماضية، وغالبا ما كانت تلك الملاحظات محدودة أو غير مباشرة، وتُعد هذه اللقطات أول توثيق تفصيلي يسمح بدراسة سلوك التعاون بين الحيتان في سياق الولادة.
ويرى الباحثون أن هذا السلوك قد يكون ذا جذور تطورية عميقة تعود إلى عشرات الملايين من السنين، وربما يعكس مستوى متقدما من التنظيم الاجتماعي والقدرات الإدراكية لدى حيتان العنبر.
آفاق بحثية جديدة
تفتح هذه الدراسة الباب أمام تساؤلات جديدة حول طبيعة التواصل والتنسيق بين الحيتان، وكيفية تنظيم مثل هذا السلوك التعاوني المعقد، خاصة في لحظات حرجة كالولادة، كما تعزز الفرضيات التي تشير إلى أن مجتمعات حيتان العنبر تقوم على شبكات اجتماعية متطورة تتجاوز حدود القرابة البيولوجية.
ويؤكد الباحثون أن هذه النتائج تمثل خطوة مهمة نحو فهم أعمق للحياة الاجتماعية والمعرفية لهذه الكائنات، مع توقعات بأن تسهم التقنيات الحديثة، مثل الطائرات المسيّرة وتحليل البيانات بالذكاء الاصطناعي، في كشف المزيد من أسرار عالم الحيتان في المستقبل.