جدار غوبي يكشف التاريخ الخفي.. أسرار إمبراطورية اختفت خلف الرمال

كريترنيوز /متابعات /وائل زكير
في قلب صحراء منغوليا، وعلى امتداد آلاف الكيلومترات، يقف جدار غوبي صامتا كحارس لعصور مضت، يحمل بين طياته أسرار إمبراطورية منسية. لم يكن مجرد حاجز يمنع العبور، بل كان أداة دقيقة لإدارة الحركة، السيطرة على الموارد، وتنظيم الأراضي في زمن حكمت فيه أسرة شي شيا.
اليوم، تكشف الأبحاث الحديثة عن هذا العالم الخفي، لتسلط الضوء على تاريخ لم يُكتشف بالكامل، ويطرح تساؤلات عن كيفية استغلال البشر القدماء لمهاراتهم الهندسية والسياسية في مواجهة تحديات الطبيعة القاسية.
بُني هذا النظام الجداري الذي يمتد عبر آسيا على يد إمبراطورية منسية، ويبلغ طوله نحو 4000 كيلومتر. لم يكن مجرد حاجز لمنع العبور، بل استُخدم للسيطرة على الحركة والموارد والأراضي، ما يجعله أحد أكثر المعالم الغامضة في شرق آسيا.
وتكشف الأبحاث الجديدة أن جدار غوبي، الذي كان يُعتقد في السابق أنه مجرد حاجز، استُخدم أيضًا للسيطرة على الحركة والموارد والأراضي خلال عهد أسرة شي شيا.
يُعدّ هذا الجدار جزءًا من نظام الأسوار الأوسع نطاقًا الذي يعود للعصور الوسطى ، والذي يمتدّ لمسافة 4000 كيلومتر تقريبا عبر شمال الصين ومنغوليا وأجزاء من سيبيريا . وعلى الرغم من ضخامة هذا الجدار، إلا أن بعض أجزائه لم تحظَ بدراسة كافية، لا سيما الجزء الواقع في صحراء غوبي. وقد ظلّ هذا الجزء مهملاً إلى حدّ كبير حتى وقت قريب. ركّز فريق الباحثين على امتداد 321 كيلومترا لتحديد تاريخ بنائه، ومن بناه، والغرض الذي استُخدم من أجله.
بُني خلال فترة التغيير
وجد الباحثون أن الحاجز قد تم بناؤه واستخدامه بشكل رئيسي خلال عهد أسرة شي شيا ، التي حكمها شعب التونغوت . وقد تميزت هذه الفترة بتحولات جيوسياسية كبيرة وتوسع في أنظمة الحدود.
بحسب دراسة نُشرت في مجلة “لاند” ، فقد رُبطت أجزاء أخرى من نظام الجدار نفسه بالفترة ما بين القرنين العاشر والثالث عشر الميلاديين. ويتضح الآن أن جدار غوبي يقع ضمن هذه الفترة الزمنية نفسها. كما يشير وجود الحاميات على طول هيكله إلى أنه كان جزءًا من نظام أكبر وأكثر تنظيمًا.
ويؤكد الباحثون أن جدار غوبي يمثل واحداً من أكثر المعالم المعمارية شمولاً وغموضاً في شرق آسيا، وأحد أكثر جوانب البحث إثارة للاهتمام هو وظيفة الجدار نفسها، فالمكان لم يُبنَ للدفاع فقط. فقد تبين أن جدار غوبي لم يكن مجرد حاجز، بل كان آلية ديناميكية لإدارة الحركة والتجارة والسيطرة الإقليمية في بيئة صعبة.
أفاد الفريق بأن هذا النظام ساهم في تنظيم حركة التنقل عبر المنطقة وتتبع الموارد الأساسية كالماء والخشب. وقد بُني في معظمه من الطين المدكوك، باستخدام الحجارة والخشب المحليين. ولم يكن مساره عشوائياً، إذ أُقيمت الحصون بالقرب من مصادر المياه وعلى طول الطرق الطبيعية كالممرات الجبلية ، مما سهّل مراقبة الحركة والتحكم في الوصول.
على الرغم من أن فترة شي شيا كانت المرحلة الرئيسية، إلا أن الموقع لم يتوقف عن الاستخدام بعد ذلك. ووفقًا للنتائج، توجد دلائل على وجود نشاط بشري من القرن الثاني قبل الميلاد وحتى القرن التاسع عشر الميلادي .
وتُظهر القطع الأثرية المكتشفة في الموقع أن الناس استمروا في التردد على هذه المنطقة على مر القرون، مما يدل على مدى أهمية هذا الطريق عبر الزمن. وكما أوضح الفريق، فإن ذلك يُشير إلى أن الحدود لم تكن ثابتة آنذاك، بل كانت هناك “بنى تحتية إدارية ديناميكية” تُستخدم لإدارة الأراضي والسكان والموارد.