منوعات

صاعقة بقوة 860 فولت.. سمكة تملك سلاحاً كهربائياً مخيفاً تحت الماء

كريترنيوز/ متابعات /رضا أبوالعينين

 

في اكتشاف علمي يسلّط الضوء على واحدة من أكثر الظواهر البيولوجية إثارة، كشف باحثون تفاصيل دقيقة حول القدرات الكهربائية المذهلة لسمك الأنقليس الكهربائي (Electrophorus electricus)، الذي يستطيع توليد صدمات تصل إلى 860 فولتاً، ما يجعله أحد أقوى “المولدات الحية” على كوكب الأرض.

 

ووفقا للدراسات الحديثة، فإن هذا الكائن الذي يعيش في أنهار ومستنقعات أمريكا الجنوبية، لا يُعد في الواقع من فصيلة الأنقليس، بل ينتمي إلى أسماك السكين، وهو أقرب وراثيا إلى سمك السلور والكارب.

 

كما أظهرت الأبحاث أن الأنقليس الكهربائي ليس نوعا واحدا، بل ثلاثة أنواع متميزة، أبرزها (Electrophorus voltai) الذي سجل أعلى جهد كهربائي معروف في عالم الحيوان.

 

نظام كهربائي معقد داخل الجسم

 

يعتمد الأنقليس على ثلاثة أعضاء كهربائية رئيسية تشكّل نحو 80% من جسمه، وتحتوي هذه الأعضاء على آلاف الخلايا المتخصصة المعروفة باسم “الخلايا الكهربائية”، التي تعمل بطريقة مشابهة للبطاريات عند ترتيبها على التوالي، ما يسمح بتجميع الجهد الكهربائي وإنتاج صدمات عالية الشدة.

 

ويشرح العلماء أن هذه الخلايا تطورت من خلايا عضلية فقدت قدرتها على الانقباض، لكنها احتفظت بخصائصها الكهربائية، لتتحول عبر ملايين السنين إلى نظام توليد طاقة حيوي بالغ الكفاءة.

 

استراتيجية صيد تعتمد على “الرادار الكهربائي”

 

يستخدم الأنقليس نوعين من الإشارات الكهربائية أثناء الصيد: نبضات منخفضة الجهد لاكتشاف الفرائس في المياه العكرة، وأخرى عالية الجهد لشلّها.

 

وتعمل الصدمة القوية على تحفيز الجهاز العصبي للفريسة مباشرة، ما يؤدي إلى تقلص عضلاتها بشكل فوري وفقدان قدرتها على الحركة.

 

وفي سلوك لافت، قد يلتف الأنقليس حول فريسته لتكثيف التيار الكهربائي المار عبرها، وهو ما يضاعف فعالية الهجوم، خاصة عند التعامل مع كائنات أكبر حجما.

 

آلية دفاع غير تقليدية

 

لا تقتصر هذه القدرة على الصيد، بل تُستخدم أيضا كوسيلة دفاع فعالة، فقد رصد الباحثون سلوكا نادرا يتمثل في قفز الأنقليس جزئيا خارج الماء لمهاجمة مصدر التهديد مباشرة، ما يسمح له بنقل الشحنة الكهربائية بكفاءة أعلى دون فقدانها في الماء.

 

حاسة سادسة للكشف في الظلام

 

ويمتلك الأنقليس ما يُعرف بـ”الاستقبال الكهربائي”، حيث يكوّن مجالا كهربائيا حول جسمه، يمكنه من رصد أدق التغيرات الناتجة عن حركة الكائنات الأخرى، وتمنحه هذه القدرة ما يشبه “حاسة سادسة” تمكّنه من التنقل والصيد في بيئات شديدة العكارة أو حتى في الظلام الكامل.

 

هل تشكل صدماته خطرا على الإنسان؟

 

رغم الجهد العالي، يؤكد العلماء أن التيار الكهربائي الناتج عن الأنقليس منخفض نسبيا، ما يجعل الصدمات نادرا ما تكون قاتلة للبشر، ومع ذلك، فإن التعرض المتكرر لها قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة مثل اضطراب القلب أو توقف التنفس، إضافة إلى خطر الغرق نتيجة التقلصات العضلية المفاجئة.

 

إدارة ذكية للطاقة

 

نظرا للتكلفة الحيوية العالية لإنتاج الكهرباء، يستخدم الأنقليس طاقته بكفاءة، حيث يكتفي بنبضات منخفضة للبحث عن الفرائس، ولا يلجأ للصدمات القوية إلا عند الضرورة، كما يحتاج إلى فترة “إعادة شحن” قد تمتد من دقائق إلى ساعات بعد إطلاق عدة صدمات متتالية.

 

تطبيقات علمية وطبية واعدة

 

ألهمت هذه القدرات الباحثين لتطوير تقنيات متقدمة، منها بطاريات حيوية وأجهزة طبية مثل منظمات ضربات القلب، وفي خطوة لافتة، نجح علماء في تطوير خلية طاقة مرنة مستوحاة من هذا الكائن يمكن استخدامها داخل جسم الإنسان.

 

تهديدات بيئية متزايدة

 

ورغم تصنيفه ضمن الكائنات “الأقل قلقا”، يواجه الأنقليس الكهربائي تهديدات متزايدة تشمل تدمير موائله الطبيعية، وتلوث المياه، وبناء السدود في حوض الأمازون، إضافة إلى تأثيرات تغير المناخ التي قد تعرقل وظائفه الكهربائية.

 

آفاق بحثية جديدة

 

وتشير الدراسات الحديثة إلى أن الأنقليس قد يمتلك قدرات إضافية قيد الاكتشاف، مثل الإحساس بالمجال المغناطيسي للأرض، ما قد يساعده في الهجرة والتنقل لمسافات طويلة.

 

يمثل الأنقليس الكهربائي نموذجا استثنائيا للتكيف البيولوجي، حيث نجح في تحويل جسمه إلى “محطة طاقة متنقلة” تخدمه في الصيد والدفاع والتواصل، ومع استمرار الأبحاث، قد يفتح هذا الكائن الباب أمام ابتكارات علمية جديدة مستوحاة من الطبيعة.

زر الذهاب إلى الأعلى