حيلة عبقرية.. لماذا يطلي الأوروبيون نوافذهم بالطباشير الأبيض؟

كريترنيوز /متابعات /رضا أبوالعينين
في ظل موجة الحر الشديدة التي تضرب أجزاء واسعة من أوروبا، برز في فرنسا اتجاه غير مألوف أثار اهتمام السكان ووسائل الإعلام على حد سواء، يتمثل في قيام العديد من المواطنين بطلاء نوافذ منازلهم بمادة طباشيرية بيضاء بهدف تقليل درجات الحرارة داخل المنازل دون اللجوء إلى حلول مكلفة أو معقدة.
وتعتمد هذه التقنية على استخدام مادة تُعرف باسم “بلانك دو ميدون” (Blanc de Meudon)، وهي مسحوق أبيض ناعم يُخلط بالماء قبل أن يُدهن على الزجاج، وتعود تسمية هذه المادة إلى محاجر منطقة ميدون الواقعة في ضواحي باريس، حيث كانت تُستخرج تاريخياً، وتترك هذه المادة بعد تطبيقها طبقة معتمة بيضاء تعمل على عكس أشعة الشمس وتقليل كمية الحرارة الداخلة إلى المباني.
وبحسب خبراء مواد البناء، فإن “بلانك دو ميدون” هو في الأساس نوع من الطين الجيري الطباشيري، يتكون بشكل رئيسي من كربونات الكالسيوم، ما يمنحه خصائص عاكسة للضوء، وقد استخدم لفترة طويلة في قطاع البناء، خصوصاً أثناء أعمال الترميم، حيث كان يُطبق على النوافذ والأسطح لحمايتها من الأتربة والطلاء أثناء عمليات الصيانة.
غير أن اللافت في الأسابيع الأخيرة هو انتقال هذه المادة من الاستخدام المهني إلى الاستخدام المنزلي، إذ بدأ أصحاب المنازل في فرنسا بتوظيفها كحل مؤقت لمواجهة ارتفاع درجات الحرارة القياسي، ومع استمرار موجة الحر، ازداد الإقبال بشكل كبير على شراء هذه المادة، حتى وصلت إلى حالة من النقص في بعض المتاجر، شبيهة بما حدث مع بعض السلع الأساسية خلال فترات الأزمات، وفق تقارير صحفية محلية.
ونقلت صحيفة “لو باريزيان” عن متاجر محلية أن الطلب على المادة ارتفع بشكل غير مسبوق، حيث شهدت بعض المناطق ما يشبه “شراء الذعر”، إذ سارع السكان إلى تخزينها فور انتشار فكرة استخدامها لتبريد المنازل، وفي شهادة لأحد المواطنين يُدعى فيليب، ذكر أنه اضطر إلى زيارة عدة متاجر في مدن مختلفة بعد نفاد الكميات من الأسواق المحلية، مشيراً إلى أن الفكرة كانت مطروحة منذ موجة حر سابقة لكنه لم يقم بشراء المادة في حينه.
ورغم الانتشار السريع لهذه الظاهرة، لا توجد حتى الآن دراسات علمية مباشرة تقيم فعالية طلاء النوافذ بمادة “بلانك دو ميدون” بشكل محدد، إلا أن أبحاثاً علمية سابقة حول الطلاءات البيضاء والأسطح العاكسة تشير إلى نتائج إيجابية في تقليل درجات الحرارة داخل المباني.
فقد أظهرت دراسة منشورة في مجلة “المناخ الحضري” أن الأسطح البيضاء العاكسة يمكن أن تخفض درجات الحرارة داخل المباني بما يصل إلى 1.75 درجة مئوية، كما بينت دراسات أخرى أن هذه الأسطح قد تسهم في خفض درجة حرارة البيئة المحيطة بنسبة تصل إلى درجتين مئويتين في بعض الحالات، وهو ما يعزز فعالية استخدام الألوان والمواد العاكسة في مواجهة الحرارة.
ويشير مختصون إلى أن “بلانك دو ميدون” قد لا يمتلك نفس كفاءة الدهانات الصناعية شديدة الانعكاس، إلا أنه يتميز بسهولة الاستخدام وانخفاض التكلفة، فضلاً عن إمكانية إزالته بسهولة بعد انتهاء فصل الصيف أو انحسار موجة الحر، ما يجعله خياراً عملياً للعديد من الأسر.
ومع استمرار ارتفاع درجات الحرارة في أوروبا خلال الفترة الأخيرة، يبدو أن مثل هذه الحلول البسيطة وغير التقليدية مرشحة لمزيد من الانتشار، خصوصاً في ظل بحث المواطنين عن وسائل سريعة وفعالة للتعامل مع تأثيرات التغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة القياسي.
يذكر أن فرنسا سجلت عدد وفيات يزيد بحوالي ألف عن المستوى المعتاد، بحسب ما أعلنت الوكالة الوطنية للصحة العامة، منبّهة من أن الحصيلة قد تكون أكبر بكثير حتّى لو أن موجة الحرّ الشديد بدأت تنحسر.