
من الذاكرة أتوق للحديث عن عدن أيام زمان، أيام الشيدر والشاي العدني، أتوق للحديث عن عدن القطيع أيام الأخوة ونصرة الجار، أيام الزيارات والبيوت المفتوحة مند الصباح حتى وقت المنام، أيام الدراجات وخاصة الدراجة ثلاثية العجلات التي ركبتها وكنت أجول بها حوافي القطيع أيام تعليم أذاب الطريق والممنوعات، أيام حُسن النية بطيب وجبر الخواطر، أيام الأب سيد الموقف والأم حنان البيت ومدرسته أهل أول البسطاء، رجالهم يلبسون المعوز والكشيدة والكوفية الزنجباري، أيام كان صوت الجار يعلو بالشارع منادياً جاره وجاره ملبياً.
أهل أول والخمير والشاي اللذيذ والخبز والفاصوليا والسمن البلدي والشاي مايقع إلا بلبن البنت السائل، زمان كنا نجتمع جميعنا حول طاولة دائرية وتضع الأمهات الطعام لنأكل جميعنا ويستغل الأب أو الأم فترة الطعام ليحدثونا بأدبيات العلاقات أو الأفعال كل بيمينك لاتسقط الطعام، حرام كل من أمامك وامضغ جيدا، وهكذا كنا نلتف لنأكل ونتعلم، أيام كانت الأم تدرك مايحدت لأبنائها من تغيير لتسارع لمعرفته وإزالته إن كان مؤلماً.
أيام زمان لم يكن الجار يدخل بصراعات واشتباكات بسبب شغب الأبناء، على العكس يلقِّن كلاهما درساً فيصيراً أكثر حباً، أهل أول يتسارعون للخير يزرعونه في كل مكان لايتكلمون، يبقى سراً من الأسرار، يحبون التعاون فيما بينهم فيسارعون للمبادرة في أي حفل، بل والإسهام في إنجاحه وبدْل العطايا، كانوا يتجمعون في رمضان يسردون لنا أحاديت وقصص عن الإسلام والرسول صلى الله عليه وسلم، لم يبخل الجار بشي عن جاره،
كل حارة في القطيع تصدر منها رائحة البخور الجميلة
ودائما في الظهيرة نحمل وعاءً صغيرا لشراء العشار
ودائما ماتتبادل الأسر الطعام،
أهل أول حب وفاء ميزة وتميُّز وإيثار، أهل أول عطاء وصدق وصبر.
أهل أول لاينام أحدهم وجاره يعاني من أي شي، يبدل قصارى جهده لمساعدته،
مشاعر وأحاسيس غنية لم تدركها الأجيال الجديدة وتنازلت عنها.
أهل أول الترابط بينهم يبدأ من الصغر تعاليم آبائنا وأمهاتنا التي ما غفلت عن شي إلا وعلمتنا إياه.
تتفوَّق الأخلاق عن المال والمراكز أولاً، غرس الأخلاق لتعيش في سلام ووئام في مدينتي عدن صوت الدان واحمد قاسم والمرشدي ومحمد سعد عبدالله وصوت أبوبكر سالم، في مدينتي الفل اللحجي سِمة والمشموم والكادي، عدن يا أم المدن كم أحن لأيام زمان الخبز والمطفاية، طعم لا أجده الآن أمي لم تبخلي تعليماتك مازالت في أُذني وصوتك المحبوب الذي كان يطنُّ في أُذني، إن أنا تجاوزت حد السير أعود سريعاً لأنك لاتريدي مني الابتعاد، كم كنا ننام بكل سرور فوق قطعة نسميها الكنبل ننام عليه ولا ضيق ولا يحزنون، وأمي تروي قصة فيها موعظة من أضاع حقيبة نقوده التي وجدها طفل وأعادها إلى صاحبها وكيف هي الأمانة وقصة سندريلا، كم كنا نستمع وننام دون تعب في الساعة الثامنة بعد أخدنا للعشاء.
رحمكم الله يا أهل أول.