مقالات وآراء

لحظات حنين

كتب: فاروق مصطفى

ذهبت في زيارة قبل يومين إلى كريتر بعد أن غِبتُ عنها بضعة أشهر لأشعُر وكأن ثمة رياحٌ تُشتت غيومًا سوداء أحاطت بأفكاري مدةً من الزمن، وذلِك عندما تجاوزت العقبة وبدأت جبال المدينة البركانية بمُعانقتي شيئًا فشيئًا كالعائِدُ إلى اهلهِ بعد سنواتٍ من الغُربة، فللجبالِ ارواحٌ ومشاعر ولكنها لا تهبها إلا لمن لديهِ القُدرةُ على مُخاطبتها وتجسيد تلك المشاعر بهيئة حروفٍ تتجلى فيها ملامِحُ المدينة بكُلِ حسنها المختبئ خلف تلك الجراح العميقة ..

ثمة مشاعِرٌ تُشبِهُ الأحاديث القديمة وبقايا أصداء اغنياتٍ مازال صداها يتأرجحُ بين جِبالِ المدينة تُنعشُ تردداتهُ ما عجزت عن البوح بهِ من نصوصٍ أثقلت جمجمتي في المدةِ الماضية لأجد بعدها هاجسي الادبي نشطًا كُلما أوغلت في الحوافي القديمة و لمحتُ خيوط البخار المنبثقة من فناجين الشاي المُلبن في تلك المقاهي التي باتت معلمًا من معالم الثقافة العدنية منذ زمن ليس بالقليل .

حاولتُ اخبار حواسي بأن الزمن قد توقفَ عند تلك المنطقة رافضًا التقدم وذلِك في محاولةٍ بائسةٍ مني لأتجاهل ما صنعه الواقِعُ بِتلك الأزقةُ والبيوت من تشوهاتٍ وجروحٍ نالت من عراقتها ومن رونقها الفريد وأغمضتُ عينيَ عن تِلكَ العشوائيات التي أحاطت بالبيوت القديمة كأورامٍ سرطانية أثقلت تلكَ المنطقة وأنتشرت كالنارِ في الهشيم بين أزقتها التاريخية..

لأبدأ بعدها رحلةَ الغوصِ في تفاصيلِ المدينة وروحانيةِ اجوائها التي تصنعُها رائحةُ الشاي الملبن المُتصاعدةُ من مقاهي المدينة التأريخية والتي باتت رمزًا للثقافةِ العدنية يلجأُ إليها أهل المدينة في كُلِ ظروفهم وأحوالهم ولا تخلو منها أي حافة من الحوافي التأريخية بدأً من الميدان أو كما تعرف بجولة زكو مرورًا بحافة حسين والأسواق الشعبية كالسوق الطويل مرورًا بجولةِ الفل وانتهاء بالزعفران وشوارع اُخرى فرعية ….
تمنيت لو أن لي قدرةً أن أرسُم من بُخار الشاي المُتصاعد ملامِح البهجة والسعادة على ملامِح المدينة الشاحبة فأراها كما هي مرسومة في خيالي وفي الصور القديمة ولو لمرةٍ واحدة فقط،ولو أن لحجارةِ المدينةِ حواسًا ترقُص على وقعِ اُغنية ابو بكر سالم تسلمي ياعدن فتسقط عنها تلك السوداوية المزمنة في دقائقٍ بسيطة
ولكنني أدركتُ أخيرًا أن بين الاُمنية والحقيقة آلام وأوجاع لا مهرب منها وإرادة تقهرُ ذلك السواد كما قهرت الأغاني القديمة تفاهات الحاضر لتخلد في نفس كل من له إنتماء إلى هذه المدينة.

 

زر الذهاب إلى الأعلى