أوجاع مكتومة.

قصة قصيرة: هناء عبدالله سالم
زوبعة الرياح في الخارج تصدر صوت أشبه بعواء الذئب , شتاء مفترس تتسلل نسماته الصاقعة نافذة حجرتها ,فيرتجف جسدها وتصطك أسنانها, كانت مستلقية على جانبها في يدها كتاب تخطت قراءة نصفه, شعرت بالاكتفاء من القراءة , رمقت الساعة المعلقة على الحائط , كانت تشير إلى العاشرة مساء , وضعت الكتاب بجانبها و اعتدلت في جلستها , لم يكن الوقت متاخرا على عودة زوجها , فقد إعتادت على تأخره حتى الساعات الأولى من الصباح , لكن اليوم تحديدا شعرت بعدم الارتياح, اشتاقت سماع صوته , مدت يدها إلى خانة الدولاب الملتصق بسريرها وتناولت هاتفها الذي كان بجانب مجموعة أدوية متنوعة اللون والحجم من حبوب, كبسولات ملونة, علب زجاجية صغيرة بنية اللون, خلعت احدى قفاز يديها .. كانت عروق يديها بارزة مصفرة أصابعها كأعواد يابسة, ضغطت على الزر
وانتظرت سماع رنين هاتفه
عاودت الاتصال مرات .. بلا رد.
أعادت هاتفها إلى مكانه , يعتلي الدولاب صورة تجمع إمراة تتوهج جمالا وفرحا محتضنة طفل يبدو حين التقطت له هذه الصورة, أن صوت ضحكته وصلت عنان السماء, شعرت بأن أعين الصورة تراقبها ,تحاشت الالتفات إلى الصورة, أغمضت عينيها خشية أن تأخذها عنوة إلى وجه الطفل, ,لكن سرعان مافتحتها على صوت أحدهم في الخارج كان يسعل بشدة وكأن الارجاء تدوي جراء سعاله, بينما كانت تنهض بنية التوجه نحو النافذة أستوقفها صوت رنين الهاتف ..
المتصل زوجها بصوت متسارع في الحديث:
– عزيزتي سأعود غدا صباحا لدي عمل لم أتمكن من إنهائه لا تنسي أخذ الدواء تصبحين بخير.
إنتهت المكالمة بجفا , مدة المكالمة لم تستغرق ثوان, بدأ ثباتها أقرب إلى الجمود في حين كانت النار تغلي في عروقها , لطالما ساورتها الشكوك لكنها ايقنت الآن أن أحساسيها لم تكن خاطئة بعد سماع صوت انثوي بجانب زوجها.
(لاتنسي دوائك)
اعتادت على سماع هذة العبارة لكن للمرة الأولى تطعن كيانها وشعورها، فكم أحست بالعجز أمام إمراة قادرة على منح كل مالديها لزوجها بينما هي بغصة أليمة تعتصر قلبها رمقت الأدوية بنظرة غضب ولوم.
مرة أخرى اشتد سعال الرجل قاطع لحظات خلوتها الغاضبة، تواصل سعاله بلا توقف, قال بصوت عال مستنجدا يهز البدن
– يا الله
بعينان ممتلئة بالدموع ردت قائلة
– كلانا نطلبك يا الله
جرت جسدها المتثاقل إلى النافذة و ازاحت الستائر, نظرت إلى اسفل رصيف البناية المواجهة , حيث مكان الرجل ,لم تفطن إلى عمره بدا له من تكويرة جسده أنه مسن كان يفترش كرتونة غطائه بالكاد يصل أعقاب قدميه ,أصابع يفتك بهما البرد , جسده النحيل لا يتوقف عن الارتجاف.
أطبقت يدها على فمها هلعا من هول المنظر, جال بصرها في تلك البيوت المضاءة , هناك غيرها يسمع ويرى ومازال مستيقظ لكنه لا يهرع لمساعدة المسكين ..
هناك حياة تحتضر على الرصيف , لمَ سكان الحي فقدوا الانسانية!
, خطر ببالها فكرة مساعدتة مهما كلفها الثمن , ماذا لو إستيقظت الصباح ووجدوه جثة هامدة وكانت لديها فرصة بإنقاذه !! نمى لديها شعور بأنها الميتة عاجلا أو أجلا من يدري قد تنقذ روح ما ، مضت ربع ساعة غارقة في التفكير ,وصلت إلى فكرة إعطائه غطاء ثقيل يتدفأ به وبضعة ملابس تخص زوجها.. عائق حال بين التنفيذ.
ماذا عن الجيران وأحاديثهم حول نزولها بالليل, ماذا لو انقضت الكلاب المسعورة عليها , عشرات الوجوه والأصوات تخيلتهم يجتمعون حولها يوبخونها , حتى العجوز ظهر بمخيلتها بهيئة قاتل , لص , مغتصب .. فيما كانت تحاصرها التخيلات والأصوات , صوت سعاله كان الحكم .
ايماءة رأسها توحي على عزمها بإتخاذ القرار النهائي بلا رجعة, حاولت ﻹلا تفكر سوى بالمتشرد , المتشرد , فقط المتشرد تكرر الكلمة في رأسها وكأنها طريقته المثلى لتتطرد وساوس التخيلات الي تحبطها عن المحاولة,على عجلة جمعت له في كيس جوارب ومعاطف شتوية وغطاء ثقيل وعند الباب توقفت ..داهمها الالم .
خارت ..
أحست بالبرودة تفتك بعظامها , بحذر تقدمت نحو المتشرد , دنت منه وهزت كتفه بيدها , رفع الغطاء عن وجه بنظرات تستغربها بادلته نفس النظرات , عندما رأته شاب وليس بمسن كما ظنت , وضعت الكيس بجانبه واختفت في مدخل البناية
صباح اليوم التالي
تستيقظ على أصوات ضجيج عالية منبعثة من الشارع , فتحت عينيها ببطئ فترى زوجها يقف أمام النافذة مرتديا ملابس عمله الأنيقة ,
يتنبه زوجها لاسيتقاظها , دون أن تنطق أدرك أستغرابها عن ما يجري.
قال لها وعيناه تتابع المنظر
– إنهم يلتفون حول رجل تجمد بردا على الرصيف.
لاحظ الدهشة في عيناها فتقدم إليها في كامل أناقته المعهودة وجلس بجوارها وقال
– حبيبتي نعلم أن الموت حق ,مهما بلغ بنا من محاولات لﻹيقاف المكتوب .. لن نتمكن..ليس بيدنا شي ..
لم تدري أكانت عبارته فلسفة أم مواساة , أيا كانت لم تعير أهتمام لحديثه, دارت عينيها في أنحاء الغرفة في محاولة لإستذكارما حدث بالامس.
فطن لحركة زوجته ,فإحتضنت كفوف يديه خديها , معاتبا إياها بلطف :
– لمَ لم تنناولي دوائك بالأمس ؟
لم تنطق بحرف , دموع عيناها أجابت سؤاله,رق قلبه طبع قبلة على جبينها.
ساد الصمت لثواني ثم قال مفسرا لها عما حدث بالتفصيل:
_ هاتفني الجيران عندما وجدوا باب الشقة مفتوح وكنتي حينها فاقدة الوعي.
كانت صامتة تنصت ولا تنصت .. غارقة بصدمة
لم يزد على تلك الكلمات ولم يسألها أين كانت ذاهبة في تلك الساعة ، فالملابس التي كانت ملقاة بقربها خير دليل على ماعزمت فعله.
– أتوسلك عزيزتي خذيه بالموعد , أعلم انك تعانين لكن ..
عندئذ وجه نظره ناحية الصورة وتحديدا إلى وجه الطفل الصغير
متابعا حديثة بنبرة حزن وأسى:
– لا أريد أن أفقد فردا أخر من عائلتي،
مسحت أصابعه خديها المبللة بالدموع وقبل أن ينهض من جلوسه تذكر أن يخبرها بأمر فتراجع عن الوقوف محدثا إياها برفق بالغ
– لا تبذلي أي جهد حبيبتي , سأهاتفك من حين لأخر ..
ولأنه يعلم مدى حساسية زوجته في وضعها الحالي ، صمت لثواني كمن يستجمع قواه ليخبرها :
– قريبتي ستصل اليوم حتى تهتم بك .
طبع قبلة أخرى على جبينها وغادر.
تاركا خلفه ركام يحاول إستجماع فتاته, فقد طبعت راحة يديه على خديها رائحة عطر أنثوي , فيما كانت أصوات الجلبة في الخارج تتلاشى , كان صراخ ألامها يعلو ويعلو..
ومحاولة إنقاذها للمتشرد ما كان إلا حلم مخادع في المنام.
برغم الأوجاع التي تطعنها في الداخل, حاولت بكل مااستطاعت من جهد النهوض بجسدها المتعب حتى تلقي أخر نظرة من النافذة, كانوا قد إبتعدوا كثيرا حاملين جثته, انهمرت دموعها وبدأت قطرات الدم تسيل من أنفها ,تدفقت واقعة على قميصها الأبيض , حالت كل مافيها إلى الأحمر.