آداب وفنون

رحلة الغوص في أعماقي

قصة قصيرة: نسيم صالح

ذات يوم بينما كنت أتمشى على الشاطئ أستوقفني سحر وجمال لحظات غروب الشمس منعكسةً على سطح البحر بلمعانٍ ذي بريقٍ أخاذ يخطف خُطى قدماك لنيل قسطاً من التأمل ،حينها شعرت بهبات النسيم العليل تدغدغ انفي مُرغمةً جفنيّ على الإنطباق إستسلاماً لإستنشاق شذاها ،وما إن إنطبق الجِفنان فإذا بموج البحر يُفرِقهما بقوة إرتطامه على قدمي مُزيلاً بذلك حبات رملٍ عالِقةً على ظاهرهما،حينها احسستُ وكأن الموج بهيجانه يتوسلُ لقدمي للمكوث قليلاً في ذاك المكان… ماذا يحدث ؟!لحظات من الذهول إقتحمت ملامحي،أصدافٌ تشكلت بِفعل الموج كسورِ حديقةٍ حولي فجذبني البحرُ بموجةٍ قويةٍ أسقطتني أرضاً مُحتجزتةً بين سور تلك الأصداف ،
ما إن سقطت حتى هدأ الموج من هيجانهِ ..أسرني ذاك الهدوء وسحرني ذاك اللمعان المنعكس للحظات غروب الشمس،فما عساي إلا الإنصياع لرغبة قدمي في المكوث قليلاً لإكمال ذاك القسط من التأمل… شردتُ قليلاً بتأملي ،فإذا بنهدةٍ من أعماقي عم صداها أرجاء المكان مخترِقاً عمق ذاك البحر ساقت البحر ماثِلاً أمامي مُخاطِباً لي بقوله: هل اثقلكِ حمل تلك الهموم والأوجاع ؟!
فأجبته بنبرة إستغرابٍ مصطنعه:
عن أي همومٍ واوجاعٍ تتحدث؟
فرد قائِلاً : أتحدث عن مايحمله ذاك الصدى الذي اخترق اعماقي مُستجيراً بها لإقتلاع وإبتلاع مايغزو أعماقك… 
فهلا سمحتي لي بالغوص في اعماقك لإقتلاع جذور تلك الهموم والأوجاع التي أرى زهورها مثمرةً في بريق عيناكِ الذابلتان…
فأجبتهُ بإبتسامةٍ ساخرةٍ وحروف باردة لاأدري إن كان حماسك هذا قادراً على الصمود أثناء رحلة غوصك التي ستجُر أذيال الخيبةِ من وراءها… فزاد إصرار البحر وتحديه فقلت له على مهلك ياهذا أنيابٌ حادةٌ لحيتانٍ مفترسه ،وامواجٌ قويةٌ تُفتت الصخر قد تحتاجها علها تفيدك قليلاً في رحلة غوصك… فبدأ البحر رحلته بالغوص في أعماقي فإذا به يتعجب لهول مارأى ،أشجارٌ عملاقةٌ مُثمرةٌ بالهموم والأوجاع والأحزان ممتدةٌ جذورها لعمق اعماقي ..

حينها أيقن البحرُ بصعوبة التحدي، فإذا به يستعين بقوة الموج وهيجانه
مُرتطماً بقوةٍ على تلك الأشجار علهُ يقتلع جذورها اللعينه ، ومع قوة إرتطام الموج وبأنياب تلك الحيتان المفترسه أنهاء البحر مهمتهُ الشاقه بصعوبه…
فإذا بموجةٍ تُزيل العرق المتصبب
على جبين تلك الحيتان المُنهكه ، تليها موجةٌ محت اثر تلك الجذور بنثرها بذور الأمل والتفاؤل والسعاده..
فغادر البحر أعماقي مُعلِناً إنتصاره مخاطبا لي بقوله ها أنا كسبت التحدي وأنهيت مهمتي الشاقه 
بإقتلاع وإبتلاع تلك الجذور اللعينه كي أرى بريق الأمل والتفاؤل والسعاده مُتربعاً في سواد عينكِ الكحيلتين، فما عليكِ سوى العنايه
بتلك البذور التي غرستها في اعماقك وأسقيها بالدعاء والصبر وحسن الظن بالله..
فبدمعة تلألأت فرحاً وبإبتسامة
شعت املاً، عبرت عن شكري وامتناني للبحر..

فإذا بالموج يُشكِل ممراً من الأصداف مُرصعاً بالؤلؤ والمرجان على طول الشاطئ يليق بمغادرتي ذاك المكان …
ومضيتُ أتنطط كطِفلةٍ صغيرة يخلو عالمُها من كل ماهو أليم، وكل خطوةٍ خطوتها على طول ذاك الشاطئ كانت تطبع اثراً جميلاً وتنثر الأمل والتفاؤل والسعادة من حولي…

زر الذهاب إلى الأعلى