المستثمرون بحاجة لتعلم متى يضعون الهاتف جانباً؟

كريترنيوز /متابعات /جوناثان غوثري
بعض التجارب يمكن أن تكون نبوءات ذاتية التحقق. فقد اكتسب مورغان سبورلوك وزناً بالإفراط في تناول الوجبات السريعة خلال فيلمه الوثائقي «سوبر سايز مي» عام 2004.
أما أنا، فقد بات انتباهي مشتتاً وأصبحت سريع الانفعال بعد تفعيل تنبيهات أسعار الأسهم على هاتفي، إذ يمكنك بسهولة تلقي 10 تنبيهات أو أكثر في الساعة إذا كنت تتابع العديد من الأصول عن كثب، ويتضخم هذا التأثير المقلق خصوصاً إذا اخترت صوت جرس افتتاح جلسة التداول كنغمة تنبيه.
في الماضي، لم تكن معلومات أسعار الأسهم متاحة للمستثمرين الأفراد كما هي الآن، لذلك، يشير خبراء السلوك المالي إلى أن وفرة البيانات قد تجعل أوضاعنا أكثر سوءاً، إذ يمكنها أن تطغى على الاستراتيجيات العقلانية وتؤدي على تشجيع سلوكيات تنتهي بنتائج عكسية.
وفي هذا السياق، يقول ريان ميرفي، رئيس قسم الرؤى السلوكية بمجموعة مورنينغ ستار للبيانات: «تحمل غالبيتنا هواتف نقالة تصدر أصواتاً إذا تحرك أي من الأسهم التي نتابعها بنسبة معينة». وتساءل: «هل يجعل ذلك الناس أكثر سعادة؟ كلا، بل يسبب الكثير من القلق. وهل هذا إطار يساعد في تحسين عملية اتخاذ القرار؟ كلا».
وسعياً مني إلى سبر أغوار هذه الفرضيات، ضبطت هاتفي بحيث يصدر تنبيهات إذا ما تحركت مجموعة من الأصول بنسبة 1%.
وتشمل هذه الأصول أسهماً وسلعاً اعتدت متابعتها، إلى جانب بعض الأسهم الجديرة بالاهتمام. وشملت هذه المجموعة أخيراً «ترامب ميديا»، وهي شركة التواصل الاجتماعي الناشئة المرتبطة بالرئيس الأمريكي المنتخب.
لقد ارتفع سعر السهم الذي يحمل رمز التداول «دي جيه تي»، بأكثر من الضعف من مستوياته المتدنية التي سجلها في سبتمبر الماضي، بفضل أحجام تداول هائلة.
لذلك، يشار إلى السهم الآن باعتباره واحداً من «أسهم الميم»، ويجري تداوله على خلفية الجلبة المثارة على الإنترنت وليس وفق الأساسيات.
وبحلول منتصف الأسبوع وفي خضم التجربة، طردتني أسرتي خارج الغرفة التي كانوا يشاهدون فيها التلفاز، فقد كان هاتفي مزعجاً لهم بدرجة كبيرة.
وحتى عندما أخبرت باسكرفيل، رفيقي المتبقي قائلاً: «إن الاثيريوم تحقق مكاسب متواصلة». أسند باسكرفيل رأسه على راحة يده، بلا أية مبالاة، فهو وكثيرون مثله لا يعبأون بالعملات المشفرة، ولا حتى «دوج كوين».
وحتى أنا لا أهتم بذلك. ولم أنوِ شراء أو بيع أي من الأصول التي كانت تظهر في التنبيهات، وكان ذلك واحداً من العيوب الرئيسية في منهجيتي. لكن أثبتت التجربة حجة مورفي، بأن الحال قد ينتهي بك إلى الشعور بالتوتر إن دأبت على مراقبة تحركات الأسعار.
كما ثبتت صحة وجهة نظر ريان ميرفي بشأن تأثير الأمر على عملية اتخاذ القرار، فقد أتت الأصول المتقلبة وغير الجديرة، مثل «دي جيه تي»، إليّ بالكثير من التنبيهات.
واستحوذت هذه التنبيهات على انتباهي وأحيت بداخلي شعوراً بالخوف من تفويت الفرصة حينما كانت الأسعار بصدد الارتفاع. وعلى النقيض، نادراً ما تسببت الأسهم المستقرة ذات الأرباح المركبة في إثارة تنبيهات، وبالتالي لم تحظَ باهتمامي.
ويمكن لتنبيهات الأسعار أن تسهم في عقلية «بحسب الظروف»، ويعكس هذا المصطلح السلوكي ما يحدث عندما نفضل الاعتماد على المعلومات المتاحة لنا عند اتخاذ القرار. وسيكون المثال على ذلك: «لدي بعض النقد الفائض، ويجب عليّ استثماره. الجميع يتحدثون عن دي جيه تي، لذا، سأشتري هذه الأسهم».
وسينطوي البديل العقلاني على: «لدي بعض النقد الفائض، ويجب عليّ استثماره. سأوزعه على استثمارات متنوعة تولد عوائد جيدة وبدرجة مخاطرة مقبولة. وبالنسبة لأسهم دي جيه تي، فما السر وراء كل هذه الجلبة؟»
ويعد النهج الثاني أكثر منطقية، لكنه ليس مرضياً على الفور. وذكر فيليب سيغر، رئيس إدارة المحافظ لدى «سي إف إم»، وهي شركة إدارة استثمارات تتخذ من باريس مقراً لها:
«عندما يحدث خطب ما في الأسواق، يحرك الناس استثماراتهم للشعور بأنهم متمتعين بمزيد من السيطرة».ويشير بحث كثيراً ما تسلط الأضواء عليه كان أجراه براد باربر وتيرانس أودين، إلى أن المستثمرين الأفراد لديهم نقطة ضعف تجاه الاستثمارات التي تحفزها الضجة، فيما يشيران إلى غياب هذا الأمر عند المستثمرين المحترفين.
ويمكن للتداول أن يكون مربحاً وممتعاً. لكن، في العموم، من الأفضل أن يكون التداول بواسطة أموال شخص آخر، فالأمر يمكن أن يكون مكلفاً إن كنت هاوياً تستخدم أموالك الخاصة.
وخارج الولايات المتحدة، تواصل الكثير من شركات الوساطة تقاضي عمولات ضئيلة لقاء تداولات الأسهم، ويمكن لهذه العمولات أن تتراكم. علاوة على ذلك، تشير مجموعة من الدراسات إلى ميل المستثمرين الأفراد إلى إساءة تقدير توقيت المعاملات.
ويصف خبراء سلوك، الشراء والبيع القلق أو الغزيري باعتباره «إفراطاً في التداول». ويوصف التأثير النموذجي على العوائد مقارنة باستراتيجية الشراء والاحتفاظ البسيطة بأنه «فجوة الأداء» التي تصل إلى ما يتراوح بين 1.2% و1.5% سنوياً.
ويعني ذلك أن قيمة محفظتك الاستثمارية ستنخفض بمتوسط 14% إذا ما واصلت فعل ذلك طوال 10 أعوام.وتشي التجارب الأكثر اتساقاً مع المبادئ العلمية، على خلاف تجربتي، بشعور الناس بأنهم مجبرين على الإفراط في التداول حتى عندما يكونون على دراية بوجوب فعل عكس ذلك.
وتفتقت أذهان الباحثين في جامعة أمستردام، بقيادة الأستاذ كارس هومز وبرعاية جون-فيليب بوشو، رئيس «سي إف إم»، عن لعبة استثمارية تعكس هذا الأمر.
وتنطوي اللعبة على منح الطلاب أموالاً للاستثمار، وكانوا يعلمون بإمكانية الحصول على عوائد جيدة بفضل تبني استراتيجية الشراء والاحتفاظ بـ «استثمار» محوسب، وكانوا أيضاً على دراية بأن التداول قد يقلص من قيمة هذه العوائد.
ومع ذلك، انخرط المشاركون في التجارب في التداول بحماس شديد. بالكاد تمكن الطلاب من تحقيق التعادل في المتوسط خلال المرحلة الأولى من اللعبة، مقارنة بعوائد متوقعة أعلى بنسبة 640% كانوا سيحصلون عليها لو اتبعوا استراتيجية الشراء والاحتفاظ.
وتكون بعض تحركات الأسعار مهمة بوضوح، فهي تعكس اتجاهات مهمة، كارتفاع أسعار الفائدة على سبيل المثال. لكننا بحاجة إلى تنقيح الكثير من الجلبة المثارة للتعرف على أي مؤشرات. فمثلاً، ليس ثمة ما يمكن للمستثمرين على المدى الطويل فعله مباشرة فيما يتعلق بتحركات أسعار سهم «دي جيه تي».
وأخبرني وسيط ذات مرة عن عميل تقليدي كان يتصل به يومياً وهو قلق بشأن تحركات أسعار أسهمه، وكان يخشى المزيد من الانخفاض إذا ما تراجع أي منها. وكان يعرب عن خشيته من خسارة مكاسب ممكنة إذا ارتفعت أي من هذه الأسهم.
وفي النهاية، طلب العميل إلى وسيطه رفض قراراته الاستثمارية، فيما عدا تلك التي تحتاج إلى مراجعات دورية وفي حالات الطوارئ.
وقد تحسنت العوائد بالفعل على إثر هذا القرار، وأصبح هذا المستثمر أقل قلقاً بكثير. وبالتالي، يتمثل البديل بالنسبة للمستثمر المعاصر على الإنترنت في إيقاف التنبيهات المؤتمتة لأسعار الأسهم، وصقل نوع من الهدوء والالتزام بخطة للاستثمار طويل الأجل.