مقالات وآراء

حضرموت جنوبية بأسس جديدة

كتب: م. صالح يسلم بازقامة

 

في التحليل السياسي الرصين، لا تُقاس أهمية الأحداث بضجيجها الإعلامي، بل بما تكشفه عن طبيعة المجتمع والنظام السياسي الذي نشأت فيه. ومن هذه الزاوية، يكتسب اللقاء التشاوري الحضرمي أهميته الحقيقية، لا بوصفه حدثًا جماهيريًا عابرًا، بل لأنه كشف بوضوح حدود الفهم السائد لكيفية تشكّل الفعل السياسي في حضرموت.

لقد جاء الخطاب الذي رافق اللقاء متزنًا، يقول الحقيقة دون تزويق أو مزايفة مغلّفة تُستخدم عادة لكسب الحاضرين أو تحقيق حشد مؤقت كان خطابًا نابعًا من وعي عميق، تُرجم عمليًا في اصطفاف حضرمي واسع شمل مختلف الفئات والشرائح الاجتماعية في الوادي والصحراء والهضبة، وهو ما يعكس مستوى نضج متقدم في الوعي الجمعي الحضرمي.

هذا المشهد بدا مربكًا لكثير من المكونات السياسية التي اعتادت، بحكم الممارسة الطويلة، على نمط مختلف من اللقاءات: لقاءات تُنظَّم من أعلى إلى أسفل، تُحدَّد أجنداتها مسبقًا، وتُصاغ مخرجاتها في المكاتب المغلقة ومقرات التنظيمات، ثم يُطلب من المجتمع أن يمنحها الشرعية لاحقًا. ومع ظهور لقاء تشاوري دعت إليه أكثر من ثلاثين شخصية حضرمية مستقلة، من مشارب اجتماعية ومناطق حضرمية متعددة، دون مظلة تنظيمية أو رعاية سلطوية، خرج الحدث عن القواعد غير المكتوبة التي تحكم السلوك السياسي المعتاد، فاختلّ التحليل.

ظهر هذا الاختلال بوضوح في انشغال جزء كبير من النقاش العام بسؤال التمويل والجهة الداعمة، بدلًا من التوقف عند مضمون اللقاء ودلالاته وهو انشغال مفهوم في بيئات سياسية مأزومة، حيث نادرًا ما تولد المبادرات المستقلة دون رعاية قوى نافذة. غير أن إسقاط هذا الافتراض على حضرموت يكشف قصورًا في قراءة خصوصيتها الاجتماعية والاقتصادية، إذ إن الاعتماد على الذات وبناء الشبكات الاجتماعية والاقتصادية المستقلة شكّل تاريخيًا أحد مصادر قوتها واستقرارها.

كما أن رمزية اللقاء لم تكن في مضمونه فحسب، بل حتى في تفاصيله، ومنها اللافتة التي حملت عبارات ذات دلالات عميقة، لا يدرك مغزاها إلا من يتابع قضية الجنوب العربي ويفهم خصوصية حضرموت ومكانتها. لقد خُوطب بهذا اللقاء الإقليم العربي والعالم، بوصفه تعبيرًا عن إرادة محلية واعية، لا عن موقف مُصاغ بالوكالة أو موجَّه من الخارج.

الأهم من ذلك أن مخرجات اللقاء جاءت نوعية ومختلفة عن المألوف، ليس بسبب لغتها، بل بسبب طريقة إنتاجها. فهي لم تكن نتيجة تفاهمات فوقية أو انعكاسًا لميزان قوى بين مكونات سياسية، بل خلاصة نقاش مفتوح بين فاعلين اجتماعيين اجتمعوا على أولوية واحدة: مصلحة حضرموت في لحظة سياسية شديدة التعقيد. وهنا تحديدًا يكمن مصدر الإرباك الحقيقي؛ إذ اعتادت المكونات السياسية أن تكون هي منتِج الموقف، بينما يُنظر إلى المجتمع بوصفه ساحة تعبئة لا ساحة تفكير.

أما هذا اللقاء، فقد قدّم نموذجًا معاكسًا: المجتمع يبلور أولوياته أولًا، ثم يفرضها على المجال السياسي.

وفي هذا السياق، يصبح التأكيد على جنوبية حضرموت تأكيدًا سياسيًا واعيًا، لا شعارًا عاطفيًا.

فحضرموت لا يمكن أن تغرّد خارج السرب الجنوبي، لكنها في الوقت نفسه لا تقبل العودة إلى صيغ قديمة أثبتت فشلها إن جنوبية حضرموت في الدولة الجنوبية الفيدرالية المنشودة تقوم على أسس جديدة كليًا، تختلف جذريًا عن أسس عام 1967م؛ أسس لا تقوم على المركزية الصارمة أو الإقصاء أو صهر الخصوصيات، بل على شراكة متكافئة، وفيدرالية حقيقية، وصلاحيات كاملة تمكّن الأقاليم من إدارة شؤونها السياسية والاقتصادية والاجتماعية بإرادة أبنائها.

من هذا المنظور، تكون حضرموت جزءًا أساسيًا ومحوريًا في دولة جنوبية فيدرالية حديثة، لا تابعًا ولا هامشًا، بل إقليمًا فاعلًا يساهم في صياغة القرار الوطني، ويستند إلى خصوصيته التاريخية والاجتماعية ضمن إطار جامع.

إن الاجتماع الموسّع الذي ضم مختلف الشرائح الحضرمية بعث برسالة واضحة لا لبس فيها، تجلّت في البيان الختامي، الذي قدّم قراءة شاملة للوضع الجنوبي، وخصوصًا القضية الجنوبية، وأكد بوضوح موقع حضرموت في الجنوب، وموقع الجنوب في حضرموت. وبهذا المعنى، فإن ارتباك التحليلات المحيطة باللقاء لا يعكس غموضه بقدر ما يعكس حدود الأطر الذهنية المستخدمة لفهمه، ويجعل من اللقاء التشاوري الحضرمي مثالًا مبكرًا على سياسة أقل صخبًا، وأكثر اتصالًا بالمصالح الفعلية للمجتمع.

م/ صالح يسلم بازقامه

زر الذهاب إلى الأعلى