دولية

العالم.. مفارقة مرعبة بين نفقات الحرب ومستويات الفقر

كريترنيوز/ متابعات /البيان

أعاد الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، توجيه الأنظار إلى واحدة من أكثر المفارقات الحادة في النظام الدولي المعاصر، مشيراً إلى أن إنفاق العالم على الحروب يفوق بكثير ما ينفقه على مكافحة الفقر، والتنمية البشرية.

هذه المفارقة ليست مجرد شعار أخلاقي، بل مستندة إلى بيانات صادرة عن الأمم المتحدة ومعاهد بحثية دولية، وتكشف عن اختلالات كبيرة في ترتيب أولويات السياسات الاقتصادية والاجتماعية العالمية.

 

وفق بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، بلغ الإنفاق العسكري العالمي ما يقارب 2.7 تريليون دولار عام 2024، وهو أعلى مستوى منذ نهاية الحرب الباردة، مع زيادة سنوية بنحو 9.4% مقارنة بالعام السابق، في ظل تصاعد النزاعات والتوترات الجيوسياسية في أوروبا، والشرق الأوسط، وغيرها من المناطق.

الأرقام وحدها مثيرة للدهشة، لكنها تصبح أكثر صدمة عندما نقارنها باستثمارات العالم في مكافحة الفقر وتحقيق التنمية المستدامة، فبحسب تقرير صادر عن الأمم المتحدة، يشكل هذا الرقم الضخم من الإنفاق العسكري ما يقارب ثلاثة عشر ضعف حجم المساعدات الإنمائية الرسمية التي تُقدم للدول النامية سنوياً، ما يعكس فجوة هائلة بين الموارد الموجهة للحروب وتلك المخصصة لمواجهة الفقر وتحسين حياة الناس.

المقارنة لا تتوقف عند الإنفاق العسكري مقابل المساعدات التنموية فحسب، بل تمتد إلى إمكانات العالم في استهداف الاحتياجات الإنسانية الأساسية. فمثلاً، تظهر بيانات الأمم المتحدة أن استثمار أقل من 4% من الإنفاق العسكري العالمي السنوي – أي نحو 93 مليار دولار فقط – يمكن أن يكفي لإنهاء الجوع بحلول عام 2030، وأن أكثر من 10% من هذا الإنفاق (أي نحو 285 مليار دولار) يمكن أن يحقق التطعيم الكامل لجميع الأطفال في العالم.

في المقابل، يؤكد البنك الدولي أن نحو 700 مليون شخص في الفقر المدقع حول العالم، أي بأقل من 2.15 دولار في اليوم، فيما يعيش حوالي 3.5 مليارات شخص على أقل من 6.85 دولارات في اليوم، ما يعكس استمرار تحديات الفقر على نطاق واسع رغم التقدم العالمي في بعض المناطق.

كما تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن توزيع الإنفاق الحالي لا يحقق فقط فشلاً في تقليص الفقر بالسرعة المطلوبة، بل إنه يعرقل التقدم نحو أهداف التنمية المستدامة لعام 2030، التي تتضمن القضاء على الفقر والجوع وتوفير التعليم والصحة للجميع.

من منظور غوتيريش، هذا الانحراف في استخدام الموارد ليس فقط مسألة ميزانيات، بل رؤية تعتبر أن الأمن ينبع من القدرة العسكرية وحدها، وتغفل عن أن الأمن الحقيقي يبدأ بالإنسان، بصحته وتعليمه وفرصته لحياة كريمة.

 

وهو يرى أن الاتجاه نحو زيادة الإنفاق العسكري لا يضمن السلام أبداً، بل يمكن أن يقوضه، لأنه يفاقم سباق التسلح، ويزيد من التوترات بين الدول، وينقل موارد يمكن أن تعالج الفقر إلى ساحة الصراعات.

 

الصورة العامة واضحة ولا تحتاج إلى مزيد من العمق في التأمل، إذ إن تريليونات الدولارات تنفق على الجيوش والصواريخ، في حين يكفي جزء بسيط منها لإنهاء الفقر، على الأقل بمستوياته الأكثر حدة، وتحسين حياة مئات الملايين في العالم.

 

لكن هذا الفصل بين الموارد المتاحة والاحتياجات الإنسانية ليس صدفة، بل انعكاس لرؤية تعتبر القوة العسكرية أداة أولى لتأمين النفوذ والمصالح، وتضع حياة الناس في المرتبة الثانية. لذلك فإنه في غمرة التنافس على الأسواق ومناطق النفوذ، يتراجع الاستثمار في التنمية ومكافحة الفقر، في إطار استراتيجيات قائمة على السيطرة بدل الاستثمار في الاستقرار.

 

هذه السياسات تدفع ثمنها البشرية، إذ إن ارتفاع الفقر والجوع والفوضى المناخية يعيد إنتاج الصراعات والفوضى، ويضع العالم في حلقة مفرغة من العنف وعدم الاستقرار

زر الذهاب إلى الأعلى