سوريا 2026… تحديات أمنية تختبر قوة العهد الجديد

كريترنيوز/ متابعات /وكالة دار الاعلام العربية
بعد مرور عام على انتهاء حكم بشار الأسد، تواجه سوريا مرحلة انتقالية حرجة، تتسم بتشابك التحديات الأمنية والسياسية. ومن أكثر هذه التحديات، انتشار مجموعات مسلحة متنوعة، ما يزيد من هشاشة الأمن، ويعرقل جهود الاستقرار.
في هذا السياق، تعمل حكومة الرئيس الانتقالي، أحمد الشرع، على صياغة رؤية شاملة، تجمع بين حزم القانون، ودمج التشكيلات المسلحة، وإصلاح الأجهزة الأمنية، في محاولة لإعادة بناء الدولة، وتعزيز الثقة الوطنية، وتحقيق استقرار طويل الأمد. لكن يبقى التساؤل الأبرز: هل تستطيع سوريا الجديدة التغلب على هذه التحديات المعقدة لتؤسس لاستقرار دائم، أم أن الطريق ما زال محفوفاً بالمخاطر؟.
خبراء في الشأن السوري يرون أن التحدي الأكبر سنة 2026، يتمثل في إعادة ضبط المشهد الأمني، بعد عقود من تسييس الأجهزة، وتفكك منظومة الضبط المركزي، إذ لا تزال بعض المناطق تعاني من هشاشة أمنية ناجمة عن انتشار السلاح،
وعلى الرغم من التراجع النسبي لمستويات العنف، مقارنة بالسنوات السابقة، إلا أن الاستقرار الكامل ما زال رهناً بقدرة الدولة الجديدة على فرض القانون بشكل متوازن،
توحيد السلاح
ويشير مراقبون إلى أن توحيد السلاح ودمج التشكيلات المسلحة، يمثلان أحد أعقد الملفات الأمنية، خصوصاً في المناطق التي تشكلت فيها قوى محلية، بحكم الأمر الواقع.
ويرون أن نجاح الحكومة الجديدة، بقيادة أحمد الشرع، في هذا الملف، يتطلب مقاربة تدريجية، تجمع بين الحوافز السياسية والاقتصادية من جهة، والحزم القانوني من جهة أخرى، مع ضمانات بعدم الإقصاءز
كما يبرز تحدي حماية الحدود، ومنع تحولها إلى مسارات للتهريب أو التسلل، في ظل بيئة إقليمية لا تزال مضطربة، ما يفرض على دمشق الجديدة، بناء تعاون أمني منضبط مع الجوار، بعيداً عن الاستقطاب والمحاور.
إعادة بناء الأجهزة
أما على الصعيد الداخلي، فيؤكد خبراء أمنيون أن إعادة بناء الأجهزة الأمنية والعسكرية على أسس مهنية ووطنية، تمثل حجر الزاوية في أي مسار استقرار مستدام.فالإصلاح المؤسسي، وفق تقديرات الخبراء، لا يقتصر على تغيير القيادات، بل يشمل تحديث العقيدة الأمنية، وربطها بحماية المواطن والدستور، وتعزيز الرقابة القضائية، بما يحد من الانتهاكات.
وتواجه الحكومة تحدياً إضافياً، يتمثل في مكافحة الخلايا المتطرفة التي ازدهرت في فراغ الدولة، وهو ملف يتطلب تنسيقاً استخباراتياً دقيقاً، وقدرات تقنية وبشرية ما زالت قيد البناء.
إصلاحات
في مواجهة هذه التحديات، تراهن حكومة الشرع على مقاربة شاملة للأمن والاستقرار، تتكامل فيها الأدوات الأمنية مع المسارات السياسية والاقتصادية.ويرى الخبراء أن إطلاق حوار وطني واسع، وتسريع برامج المصالحة المحلية، وتحسين الأوضاع المعيشية، تشكل عناصر لا تقل أهمية عن الحلول الأمنية الصرفة.
كما أن انفتاح دمشق على محيطها العربي والدولي، واستعادة قنوات الدعم الفني والاقتصادي، يعدان عاملاً حاسماً في تمكين الدولة من بسط سيادتها، وتجاوز مرحلة الهشاشة.
ويؤكد الخبراء أنه، وبعد عام على تغيير النظام، تقف سوريا أمام اختبار حاسم: إما تثبيت الأمن كمدخل للتعافي، أو التعثر مجدداً في دوامة عدم الاستقرار.
تحديات معقدة
فبي قراءة شاملة للمشهد السوري، يرى خبير الأمن القومي والعلاقات الدولية، اللواء محمد عبد الواحد، أن الحكومة السورية تواجه طيفاً واسعاً من التحديات الأمنية المعقدة، على الرغم من تحقيقها بعض الإنجازات الملموسة خلال عامها الأول، سواء على المستوى الاقتصادي أو الدبلوماسي. ويشير إلى أن الحكومة نجحت في امتصاص أزمات كبيرة، كان من الممكن أن تنزلق بالبلاد إلى حالة فوضى شاملة،
كما تمكنت من تحقيق خطوات إيجابية مهمة، من بينها رفع جزء من العقوبات الدولية، وفتح أبواب الاستثمار الخارجي، إلا أن الداخل السوري – بحسب وصفه – لا يزال يعاني من هشاشة شديدة في الاستقرار.
ويؤكد عبد الواحد أن جوهر الأزمة الحالية يكمن في التحديات الأمنية متعددة الأبعاد، الناتجة عن تركة الحرب الأهلية الطويلة، والتدخلات الخارجية، والتوترات الداخلية المتراكمة، إلى جانب تصاعد مظاهر العنف الطائفي والهجمات الإرهابية، ما يجعل الاستقرار القائم هشاً وقابلاً للاهتزاز في أي لحظة.
ويضيف أن الساحة السورية لا تزال تضم جماعات مسلحة، وتنظيمات إرهابية لم تُحسم بعد، وفي مقدمها تنظيم داعش، الذي يراه التهديد الأخطر في المرحلة الراهنة، خاصة مع تصاعد عملياته في مناطق الشمال الشرقي، الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد). ويختفي تنظيم داعش الإرهابي لفترات ثم يعاود الظهور، مستغلاً الفوضى، لإعادة إنتاج نفسه وزعزعة الاستقرار، مع تركيزه على استهداف مجتمعات محددة ، بهدف إذكاء الفتنة الطائفية.
ويحذّر عبد الواحد من خطر المقاتلين الأجانب الراديكاليين الموجودين على الأراضي السورية، والذين يقدّر عددهم بالآلاف، معتبراً أنهم يشكلون تهديداً أمنياً وديموغرافياً حقيقياً، وقد يتحولون إلى وقود لصراعات داخلية جديدة، أو أدوات للضغط على الحكومة الجديدة.
كما يشير إلى أن العنف الطائفي والتوترات المجتمعية، لا سيما في مناطق الساحل والوسط السوري، تعمّق حالة الانقسام، وتهدد السلم الأهلي، مستشهداً بما شهدته بعض المناطق من أحداث دامية في الساحل والسويداء، والتي تعكس – برأيه – هشاشة الوضع الأمني.
كما يشير إلى الوجود الأمريكي في الشرق السوري، الذي ورغم تراجعه نسبياً، لا يزال قائماً قرب مناطق النفط، ما يمثل تحدياً أمنياً إضافياً.
وعلى صعيد الحلول، يرى عبد الواحد أن قدرة سوريا على تجاوز هذه التحديات قائمة، لكنها تحتاج إلى وقت وإصلاحات عميقة، تبدأ بإعادة هيكلة القطاعين الأمني والاقتصادي، بالتوازي مع معالجة الأزمات الإنسانية المتراكمة، مثل الجفاف، وتراجع الموارد المائية، وانعكاساتها الاجتماعية والبيئية.
ويؤكد أن الحكومة تعاني نقصاً في المعدات والسلاح المتقدم، ما يحد من قدرتها على مواجهة تنظيم داعش، أو التصدي للتدخلات الإسرائيلية، مشدداً على أن دمج «قسد» في الجيش السوري، لن يتم دون ضغط أمريكي ودولي مباشر.
ويختم الخبير بالقول إن فرص إعادة الإعمار ما زالت قائمة، رغم المخاطر الأمنية، مشيراً إلى أن سوريا تمتلك مقومات استعادة الاستقرار، إذا ما أسرعت في دمج الفصائل المسلحة، وعززت التعاون الدولي، وحصلت على دعم مالي لتغطية متطلبات المرحلة الانتقالية،
وأكد أن استعادة الدولة المركزية لسيطرتها الكاملة على الأرض، وإصلاح المنظومة الأمنية من جذورها، تمثلان الشرط الحاسم لعبور سوريا من مرحلة الهشاشة إلى الاستقرار.
ملفات حساسة
بينما يرى السياسي السوري، والمرشح الرئاسي السابق، محمود مرعي، أن سوريا تواجه عدة عقبات وصعوبات كبيرة على الأصعدة الأمنية والسياسية والاجتماعية، مشيراً إلى أن أبرز هذه الملفات الحساسة، هي ملف السويداء، وملف الساحل السوري، وملف شمال شرقي سوريا.ويصف ملف السويداء بأنه معقد جداً، ويتطلب حواراً جاداً وحقيقياً بين كافة الأطراف، نظراً للتوترات الطائفية والمجتمعية التي تعيشها المحافظة، والتي تجعل أي حل سطحي غير مجدٍ، ويُعرض الأمن والاستقرار للخطر.
أما ملف الساحل السوري، فيشير مرعي إلى أنه ملف بالغ التعقيد أيضاً، نظراً لوجود أعداد كبيرة من الموظفين السابقين في النظام القديم، ممن تم توظيفهم وتصريحهم من قبل الجيش والشرطة والوظائف المدنية، ما أدى إلى وجود فئات واسعة دون دخل حقيقي، إضافة إلى غياب الشروط الأمنية الكافية لضمان الاستقرار في المنطقة.
ويؤكد أن معالجة هذا الملف ضرورية لإعادة ضبط الحياة الاجتماعية والاقتصادية في الساحل، ولمنع تزايد الانقسامات والاحتقان بين المواطنين. ويخلص مرعي إلى أن الخروج من هذه التحديات الأمنية والسياسية، لا يمكن إلا من خلال مؤتمر حوار وطني حقيقي وجاد، يشمل كافة التنوع السوري
إلى جانب مشاركة السلطة السورية، مع التركيز على تطبيق قرارات مجلس الأمن الدولي، وبالأخص قرار 2254، وقرار 2799، اللذين ينصان على ضرورة إيجاد حل سياسي شامل للأزمة السورية، يضمن الاستقرار والسلام، ويعالج جذور النزاع، بعيداً عن الحلول الأمنية المؤقتة.