اقتصاد

هل يصبح الانفصال عن «أمريكا ترامب» الاستراتيجية المنطقية الوحيدة للحلفاء؟

كريترنيوز/ متابعات /جدعون راتشمان

قد يؤدي التعرض للضرب على الرأس إلى تخلّي الناس عن تحفظاتهم.

ومن الواضح أن هذا هو ما حدث خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، فقد تخلى بعض القادة الغربيين عن حذرهم المعتاد، وتحدثوا بصراحة غير مسبوقة عن الولايات المتحدة ورئيسها.

وفي جلسة حول أوروبا، قال بارت دي ويفر، رئيس وزراء بلجيكا، للحضور: «لقد تجاوز الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العديد من الخطوط الحمراء.. أن تكون تابعاً سعيداً شيء، وأن تكون عبداً بائساً شيء آخر.

إنك إذا تراجعت الآن، ستفقد كرامتك، وهي على الأرجح أثمن ما يمكنك امتلاكه في ظل الديمقراطية».

 

كان الخط الأحمر الرئيسي الذي أشار إليه دي ويفر هو تهديدات ترامب المتكررة بضم غرينلاند، التابعة للدنمارك، مدعومة بتلميحات ضمنية باستخدام القوة. وفي اليوم التالي لخطاب دي ويفر، استغل ترامب خطابه لاستبعاد أي عمل عسكري.

وبعد ساعات قليلة، تراجع أيضاً عن تهديده بفرض رسوم جمركية على أوروبا بسبب قضية غرينلاند. وقد سمحت هذه التراجعات للأوروبيين بالخروج من دافوس وكرامتهم مصونة.

 

ويعني التراجع عن موقف غرينلاند أن التحالف عبر الأطلسي ظل قائماً. مع ذلك، ستستمر آثار هذا الخلاف، ومن المرجح أن تعيد تشكيل السياسة العالمية بشكل دائم. فلن ينسى الأوروبيون التهديدات التي وجهت بشأن غرينلاند.

ونتيجة لذلك، يتكيف جميع حلفاء أمريكا مع الواقع المتغير ويبحثون عن استراتيجية جديدة – وهو ما يفسر التأثير الاستثنائي لخطاب آخر ألقاه مارك كارني، رئيس وزراء كندا، في منتدى دافوس.

 

ولاحظ رئيس الوزراء الكندي أن القوى العظمى تستخدم الآن «التكامل الاقتصادي كسلاح، والتعريفات الجمركية كوسيلة ضغط، والبنية التحتية المالية كأداة إكراه». في مثل هذا العالم، «يصبح التكامل مصدراً لتبعيتنا».

كما أن الاستناد إلى القانون الدولي والنظام القائم على القواعد يصبح بلا جدوى في هذه البيئة الجديدة. لذا، لم يعد بإمكاننا «الاعتماد على قوة قيمنا، بل على قيمة قوتنا».

 

لقد انتشر خطاب كارني انتشاراً واسعاً نظراً لصراحته ووضوحه بشأن ما تعنيه إدارة ترامب لحلفاء أمريكا، ولجرأته في رسم مسار للمستقبل.

 

وكان ترامب من بين الذين لفت انتباههم الخطاب. ففي خطابه في اليوم التالي، حذر قائلاً: «كندا تعيش بفضل الولايات المتحدة. تذكر هذا يا مارك في المرة القادمة التي تدلي فيها بتصريحاتك».

 

لم يقدم خطاب كارني تشخيصاً للمشكلة فحسب، بل استراتيجية فعلية: تنويع الاقتصاد بعيداً عن أمريكا. ويمثل هذا تحدياً قاسياً لكندا، التي تجري نحو ثلثي تجارتها مع الولايات المتحدة.

لكن كارني بدأ بداية حاسمة. فقد كان عائداً لتوه من الصين، حيث وقع هناك اتفاقية تجارية جديدة. وسيسلك حلفاء أمريكيون آخرون الدرب نفسه ويتجهون إلى بكين.

 

وسيقوم رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، بزيارة مخطط لها منذ فترة طويلة خلال الأيام القليلة المقبلة. ويمثل هذا الوضع فرصة هائلة لبكين.

 

فقد تجنب الصينيون التعليق على التوترات الحالية داخل التحالف الغربي، متبعين المبدأ المعروف «لا تقاطع عدوك عندما يرتكب خطأً».

 

والمفارقة المحزنة أن «تقليل المخاطر» كان استراتيجية مصممة لاستهداف للصين، في فترة تعاون وثيق بين الولايات المتحدة وأوروبا.

أما الآن، فيحاول الأوروبيون والكنديون تطبيق المبدأ نفسه على أمريكا نفسها. ومن المفارقة أيضاً أن تقليل المخاطر من أمريكا يعني قبول المزيد من المخاطر الصينية.

 

وقد كان الصينيون أنفسهم رواداً في تسخير الاعتماد المتبادل كسلاح – ولننظر إلى الضغط الذي مارسوه على الولايات المتحدة واليابان وغيرهما من خلال احتكارهم شبه الكامل لمعالجة العناصر الأرضية النادرة والمعادن الحيوية.

 

ورداً على سؤال حول التهديد الموازي من بكين، قال كارني: إن تنويع الاقتصاد بعيداً عن أمريكا لا يمكن أن يقتصر على الصين فقط. ويتعين تطوير مجموعة متكاملة من العلاقات الجديدة، لا سيما فيما بينها.

 

كما يجب تعزيز شبكة الروابط الاقتصادية المتداخلة بين الهند واليابان وكوريا الجنوبية ودول أمريكا اللاتينية وأفريقيا وغيرها.

 

ويجب أن يكون هناك الكثير من الراغبين في تبني مثل هذه الاستراتيجية، لأن الأوروبيين ليسوا الوحيدين الذين يشعرون بالضرر من سياسات ترامب الأمريكية. والهند مثال بارز على ذلك.

فقد ذهبت حكومة ناريندرا مودي أبعد من أي اقتصاد رئيسي آخر في الحد من المخاطر الصينية، حيث سحبت التكنولوجيا الصينية من بنيتها التحتية الوطنية وحظرت تطبيقات مثل تيك توك.

 

وكان الجانب الآخر لهذا القرار رهاناً كبيراً على تعزيز التعاون مع أمريكا.

 

لكن تعريفات ترامب الجمركية، وتدهور علاقاته مع مودي، دفعا دلهي إلى عملية جذرية لإعادة الحسابات.

 

وينطبق الأمر نفسه على العديد من دول أمريكا اللاتينية، مثل البرازيل والمكسيك، التي تشعر بالقلق إزاء استراتيجية ترامب الجديدة للهيمنة على نصف الكرة الأرضية.

 

ويتجاوز الحد الحقيقي من المخاطر التجارة بكثير، ويجب أن يشمل كل مجال ذي أهمية استراتيجية، بما في ذلك التمويل والتكنولوجيا والمعدات العسكرية. ونظراً لهيمنة أمريكا في المجالات الثلاثة، فإن ذلك سيمثل تحدياً هائلاً.

وتناول آرثر مينش، مؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «ميسترال» الفرنسية، وهي أبرز شركة ناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي في أوروبا، التحدي التقني خلال جلسة في دافوس، مشيراً إلى أن أوروبا تعتمد بشكل كبير على التكنولوجيا الأمريكية، حيث تستورد حوالي 80 % من خدماتها الرقمية، مثل الحوسبة السحابية، من الولايات المتحدة.

 

ويرى مينش أن تطور الذكاء الاصطناعي يضع أوروبا أمام مفترق طرق. ويقول: «يكمن الخطر الأكبر الذي يهدد أوروبا في السنوات المقبلة في أن تصبح مستعمرة في مجال الذكاء الاصطناعي من خلال استيراد 95 % من الخدمات الرقمية والذكاء الاصطناعي من الولايات المتحدة».

وهذا من شأنه أن يشكل خطراً جسيماً على السيادة الأوروبية، لأن «صناعتنا بأكملها ستعتمد على تكنولوجيا يمكن إيقافها إذا قررت الولايات المتحدة ذلك».

 

كذلك، سيكون من الأسهل تنويع مصادر شراء المعدات العسكرية بعيداً عن أمريكا، نظراً لوجود شركات دفاعية كبيرة في أوروبا. لكن التخطيط العسكري يمثل تحدياً أكبر.

ويتم إنجاز جزء كبير منه من خلال حلف الناتو، وهي منظمة تقودها الولايات المتحدة التي هي «قائدة الفريق»، حسبما وصفها أحد كبار مسؤولي الناتو.

 

لكن ماذا لو كانت أمريكا نفسها هي التهديد الذي يتعين عليك الدفاع ضده؟ وقد وضعت كندا بالفعل خططاً تفصيلية لكيفية خوض حرب مع الولايات المتحدة، إذا ما وصل الأمر إلى ذلك.

 

وبشكل عام، يحتاج العديد من حلفاء أمريكا إلى إعادة تعلم عادة التفكير المستقل في القضايا الاستراتيجية الكبرى – دون توجيه من واشنطن.

وتعد فرنسا، التي سعت دائماً إلى الحفاظ على مسافة معينة من الولايات المتحدة، في وضع جيد لقيادة هذه الثورة الفكرية.

 

وكما قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو في دافوس: «هذا ما دأبت فرنسا على قوله طوال عقد من الزمن، فنحن بحاجة إلى استقلال استراتيجي لأوروبا».

 

وفي الواقع، يعود إيمان فرنسا بضرورة ابتعاد أوروبا عن الولايات المتحدة إلى خمسينيات القرن الماضي في ظل قيادة شارل ديغول.

 

وما يفعله ترامب هو خلق نوع من «الديغولية الأوروبية»، حيث يتبنى معظم دول القارة (باستثناء الدول المؤيدة بقوة لترامب مثل المجر) ضرورة تقليل المخاطر مع الولايات المتحدة. والهدف هو تجنب الوضع الذي وصفه كارني، حين «يصبح الاندماج مصدراً للتبعية».

ويشعر البريطانيون بإحباط شديد من تردد فرنسا في تجاوز ملف خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست) فيما يتعلق بقضايا مثل الإنفاق الدفاعي المشترك، على الرغم من خطورة الوضع الجديد.

 

كما لا تزال فرنسا تحاول عرقلة أو تطلب إعادة التفاوض حول الاتفاقية التجارية الجديدة بين الاتحاد الأوروبي وميركوسور، التكتل التجاري لأمريكا الجنوبية، والتي كان من المفترض أن تكون مثالاً بارزاً على استراتيجية التنويع بعيداً عن أمريكا.

 

كما يدرك الأوروبيون وغيرهم أنهم سيضطرون، خلال الأشهر والسنوات المقبلة، إلى الاستجابة باستمرار لأزمات جديدة يسببها رئيس أمريكي مفرط النشاط. ويبدو أن ترامب سيواصل تقلباته.

 

فمنذ بداية العام، شن عملية عسكرية في فنزويلا، ووعد بالتدخل في إيران، وهدد بضم غرينلاند، وأرسل مئات من عملاء الحكومة الفيدرالية الملثمين إلى مينيسوتا، ورفع دعاوى قضائية ضد رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، جيروم باول، ورئيس بنك جيه بي مورغان، جيمي ديمون.

 

كل هذا في غضون ثلاثة أسابيع فقط، بينما لا تزال أمامه ثلاث سنوات من رئاسته.

 

ويقول دبلوماسيون غربيون مستاؤون: إنه لم يعد هناك أحد في الدائرة المقربة من ترامب قادر أو راغب في الوقوف في وجهه.

ولا تقتصر المشكلة على الإدارة نفسها، بل تمتد لتشمل المؤسسة الأمريكية ككل.

 

وبالنظر إلى ميل ترامب إلى مهاجمة كل من يعارضه، فإن هذا الخوف منطقي، وإن لم يكن نبيلاً.

 

أما الخوف الأكبر، فيتمثل في أنه مع تبقي ثلاث سنوات على انتهاء ولاية إدارة ترامب، فإن احتمالية تسبب تصرفاته المتقلبة في أزمة كبرى عالية جداً، بدءاً من الاقتصاد العالمي وصولاً إلى النظام السياسي الدولي واستقرار الديمقراطية والمجتمع الأمريكي.

 

وفي ظل هذه الظروف، يبدو أن تقليل المخاطر مع الولايات المتحدة هو الاستراتيجية المنطقية الوحيدة لحلفاء أمريكا.

 

لكن لا يمكن للدول الأخرى فعل الكثير في عالم لا تزال فيه الولايات المتحدة القوة المهيمنة.

زر الذهاب إلى الأعلى