مقالات وآراء

عدن.. الحلم الضائع

بقلم : صفوان سلطان

كانت عدن، قبل أن تُسحب منها ملامحها بهدوء، مدينة تعرف ماذا تريد وماذا تكون.
لم تكن مثالية، لكنها كانت واضحة.
مدينة تسير بخط مستقيم، تعرف دورها، وتعيش يومها دون خوف دائم من الغد.

كانت مدينة تفتح أبوابها للناس،
وتغلق أبواب الصراعات خلفها.

ثم تغيّر كل شيء.
أُلحقت عدن قسرًا بمحيطها عام 1963 بقرار ضمها للمحميات البريطانية بعد ان كانت ولاية لتتحمل الاعباء الاقتصادية للمحميات و لم يعرف العدنيون انهم سيتحملون اعباء صراعات المناطق المحيطة بها لاحقا، لم يُسأل أهلها، ولم يُؤخذ رأيها، ولم يُنظر إليها كمدينة لها روح مختلفة. جرى التعامل معها كرقعة يمكن نقلها من مكان إلى آخر، وكأن المدن بلا ذاكرة، وبلا ناس، وبلا حياة، وبلا مشروع.

ومنذ تلك اللحظة، بدأت عدن تفقد أهم ما كانت تملكه: الهدوء.

ليس الهدوء بمعناه السطحي، بل ذاك الإحساس البسيط الذي يجعل المدينة تعيش دون أن تكون في حالة دفاع دائم. تحولت عدن من مدينة تمشي على قدمين ثابتتين، إلى مدينة تلتفت حولها في كل خطوة، تخشى أن تُسحب مرة أخرى إلى صراع جديد.

وهنا لا بد من قول الحقيقة بوضوح:
هذا ليس حنينًا إلى استعمار، ولا دفاعًا عن حكم أجنبي، ولا رغبة في عودة وصاية من أي نوع. الاستعمار يظل استعمارًا، مهما تلونت أشكاله. لكن ما يحن إليه أهل عدن اليوم ليس من حكمها، بل كيف كانت تعيش.

يحنّون إلى عدن التي لم تكن ساحة نزاع.
إلى عدن التي لم تكن جائزة سياسية يتسابق عليها الطامعون.
إلى عدن التي لم تُجبر سابقًا على دفع ثمن صراعات الآخرين.

بعد ضمها، لم تُمنح عدن فرصة أن تكون نفسها.
كل طرف اقترب منها أراد شيئًا،
لكن قلّ من أراد لها الخير.

أُدخلت في صراعات أكبر منها،
صراعات نفوذ وسيطرة،
صراعات بلا مشروع بناء،
وبلا حلم،
وبلا رؤية.

صراعات لا ترى المدينة، بل ترى موقعها السياسي فقط.

ومع كل جولة صراع، كانت عدن تنزف أكثر.
لا تنزف بالرصاص وحده،
بل بالقلق،
وبالتعب،
وبالإحساس الدائم بأن أحدًا لا يسمعها.

مدينة لا تريد أكثر من أن تعيش بسلام،
أن تعمل،
أن تُدار بعقل،
أن تُترك خارج معارك لا تخصها ولا تخص أبنائها.

لكنها وُضعت في المنتصف،
وصارت تتحمل ما لا تحتمل.

عدن اليوم ليست غاضبة بقدر ما هي متعبة.
متعبة من الوعود،
متعبة من الصراعات،
متعبة من أن تكون دائمًا ساحة، لا بيتًا.

وكلما طال هذا الوضع، ازداد النزيف.
نزيف مدينة لا تطلب المستحيل،
بل تطلب حقًا بسيطًا جدًا:
أن تُعامل كمدينة لها حق الحياة،
لا كأرض صراع.

عدن لا تحلم بالعودة إلى الماضي،
بل تحلم فقط أن تُنقذ من هذا الاستنزاف.

أن تُخرج من دائرة الصراع،
وتُعاد إلى دائرة الحياة.

وحين يحدث ذلك،
لن تكون عدن مدينة مظلومة،
بل مدينة شافية،
تُداوي نفسها،
وتُداوي من حولها.

زر الذهاب إلى الأعلى