ليلة أمام قصر معاشيق.. حين سقط قتيل واحد فتح باباً للألف سؤال
حكاية عبدالسلام الشبحي: من وقفة احتجاجية إلى رصاص حي

كريترنيوز /تقرير/هشام صويلح
في حوالي السابعة من مساء الخميس 19 فبراير 2026، كان عبدالسلام الشبحي يقف بين عشرات الرجال أمام بوابة قصر معاشيق. رجل في الستين من عمره، لم يكن يحمل سلاحاً، ولم يكن يخطط لأكثر من رفع صوته مع الآخرين. كانوا جميعاً هناك ليقولوا شيئاً واحداً: لا نريد هؤلاء الوزراء في مدينتنا.
بعد ثلاث ساعات، كان عبدالسلام على الأرض، والرصاص في جسده، والدماء تسيل من حوله. رفاقه الذين كانوا يهتفون معه تحولوا إلى أشخاص يجرون جثته ويصرخون: “إسعاف.. إسعاف”.
ما حدث بين السابعة والعاشرة هو ما تحاول هذه القصة روايته.
السابعة مساءً.. حين كانت الأيدي فارغة
كان أبو ياسر بن حليس هناك. ليس صحفياً محترفاً، ولا ناشطاً سياسياً معروفاً، فقط رجل وجد نفسه وسط جمع بدأ يتشكل بشكل عفوي أمام القصر.
يقول بن حليس: “لم تكن مظاهرة مسلحة. لم يكن فيها ما يوحي بالحرب. كانت وقفة شعبية عفوية.. وجوه غاضبة، وهتافات عالية، وأيدٍ فارغة.”
في تلك الساعة المبكرة من المساء، كان المشهد هادئاً نسبياً. المتظاهرون يهتفون خلف الحاجز الأمني، والجنود يراقبون من خلف الأسلاك. كل شيء يوحي بأنها ليلة احتجاج عادية، تنتهي كما بدأت، بكلمات لم تسمعها السلطة.
لكن أحداً لم يكن يعرف ما تخبئه الساعات التالية.
المحتجون جاءوا برسالة واحدة محددة: رفض إدخال وزراء “شماليين” إلى عدن، بحسب ما تردد في الأيام التي سبقت الحادثة. في نظرهم، وجود هؤلاء الوزراء في العاصمة عدن يمثل استمراراً لسياسات يرونها ضد الجنوبيين.
لم يكونوا يطالبون بالاستقلال تلك الليلة، فقط يريدون أن لا تتحول مدينتهم إلى مقر دائم لحكومة يشعرون أنها لا تمثلهم.
العاشرة مساءً.. لحظة انقلاب المشهد
مرت ثلاث ساعات على هذا النحو. توتر صامت، هتافات متقطعة، وجنود ينتظرون.
ثم حدث شيء ما. حاول بعض الشبان تجاوز الحاجز الأمني. ليس باقتحام عنيف، بل بمحاولة تخطي الحواجز الحديدية. تدافع محدود، كما يصفه بن حليس، لا أكثر.
لكن الرد لم يكن متناسباً مع الفعل.
يقول بن حليس: “الرد لم يكن تفريقاً تقليدياً.. بل كان إطلاق نار مباشر وعنيف.”
في لحظات، تبدد صمت الليل. الرصاص لم يميز بين كبير وصغير. تحولت ساحة القصر إلى فوضى عارمة. صراخ هنا، وجري هناك، وأجساد تسقط على الأرض.
من بين تلك الأجساد، كان عبدالسلام الشبحي. رجل ستيني، يمكن أن يكون أباً أو جداً لأحدهم، سقط تحت الرصاص.
“سقط شهيد أمام أعيننا”، يقول بن حليس. لم يقل “قتيل”، قال “شهيد”. لأن من يراه يسقط وهو يهتف، لا يمكنه أن يصفه بكلمة أخرى.
بعد الرصاص.. مطاردة في الأزقة
لم يتوقف المشهد عند بوابة القصر. ما زاد الأمر فظاعة، بحسب رواية شاهد العيان، أن القوات لم تكتفِ بإخلاء المحيط.
عندما بدأ المتظاهرون بالانسحاب هرباً من الرصاص، حولت القوات الحارات الخلفية لحي معاشيق إلى مسرح آخر.
“رصاص يُطلق على أناس يفرون، لا على أناس يهاجمون. هذا ما رأيته بعيني، لا ما سمعته من بيان.”
بعض الجرحى أصيبوا وهم يركضون مبتعدين. ليس في مواجهة، بل في الظهر. ليس وهم يتقدمون، بل وهم يلوذون بالفرار.
بن حليس يقسم: “لم أرى سلاحاً بيد متظاهر واحد منذ الساعة السابعة حتى لحظة إطلاق النار. رأيت حجارة، رأيت هتافات، رأيت غضباً، ولم أرى بنادق.”
ثم يضيف عبارته التي تختصر الفجوة بين الروايتين: “رواية تقول ‘مسلحون هاجموا’، ورواية تقول ‘ناس هتفوا فقوبلوا بالرصاص’.”
من هو عبدالسلام الشبحي؟
لا نعرف كثيراً عن عبدالسلام الشبحي. لم يكن سياسياً معروفاً، ولا قيادياً بارزاً. كان رجلاً تجاوز الستين، في عمر من يفترض أن يكون في بيته مع أحفاده، لا في تظاهرة تحت الرصاص.
أصدقاؤه يقولون إنه كان في الصفوف الأمامية، يهتف كغيره. لم يكن يحمل سلاحاً، ولم يكن يحرض على العنف. فقط يريد أن يسمع صوته، صوته الذي حمله إلى هناك رغم تقدم سنه.
اليوم، اسمه يتردد في منشورات ناشطين وتغريدات مغردين. صار رمزاً لشيء أكبر : لرجل كبير خرج ليقول كلمته، فكانت الكلمة آخر ما قال.
عشرات الجرحى الآخرين يتوزعون بين مستشفيات عدن. بعضهم لا يزال يتلقى العلاج، وبعضهم غادر وهو يحمل رصاصة في جسده تذكره بتلك الليلة كلما تغير الجو أو اشتد الألم.
الرواية الأخرى.. ماذا قالت الجهات الرسمية؟
في الجانب الآخر من القصة، هناك بيان. بيان اللجنة الأمنية، الذي وصف ما حدث بأنه نتيجة “اعتداءات من متظاهرين مسلحين حاولوا اقتحام محيط القصر”. وجاء فيه أن القوات تعاملت مع الموقف “بالحزم اللازم”.
البيان لم يذكر: اسم عبدالسلام الشبحي أو أنه رجل ستيني، عدد الجرحى، نوع الأسلحة التي ضبطت (إن وجدت)، تسلسل زمني دقيق للأحداث، أي تحقيق داخلي أو تعويضات للضحايا
البيان كان مقتضباً، عاماً، وكأنه يريد إغلاق الملف قبل أن يفتح. لم يقدم صوراً للأسلحة المزعومة، ولا تسجيلات تثبت وجود مسلحين. فقط كلمات.
في العادة، عندما تضبط قوات أمن أسلحة من متظاهرين، تقدم صورها كدليل. هذا لم يحدث هذه المرة. فلماذا؟
هل يمكن أن تكون الأسلحة غير موجودة أصلاً؟ أم أن وجودها لم يكن كافياً لنشر صورها؟ أم أن البيان صدر قبل اكتمال التحقيقات؟
الأسئلة أكثر من الإجابات.
حتى الآن، لم ترد الجهات الرسمية على طلبات التعليق بشأن تفاصيل الحادث.
أسئلة لا تريد أن تموت
معاشيق لم تغلق ملفها بعد. كل يوم يمر دون تحقيق يزيد الفجوة بين الروايتين. وهناك أسئلة أساسية لا تريد أن تموت:
السؤال الأول: إذا كان المتظاهرون مسلحين، فأين الأسلحة المضبوطة؟ وأين صورها؟ ولماذا لم تعرض على الرأي العام؟
السؤال الثاني: إذا لم يكونوا مسلحين، فلماذا استخدم الرصاص الحي ضدهم؟ ولماذا لم تكن هناك وسائل تفريق أقل فتكاً؟
السؤال الثالث: لماذا استمر إطلاق النار بعد انسحاب المتظاهرين؟ وماذا كانت تفعل القوات في الأزقة الخلفية وهي تطلق النار على أناس يفرون؟
السؤال الرابع: كيف يسقط رجل في الستين من عمره برصاص قوات أمن، في وقفة احتجاجية؟ هل كان يشكل تهديداً يستدعي الرصاص الحي؟
السؤال الخامس: ماذا يقول القانون في مثل هذه الحالات؟ وهل يمكن أن تمر واقعة سقوط قتيل في تظاهرة دون تحقيق مستقل؟
هذه الأسئلة ليست سياسية فقط. هي قانونية وإنسانية قبل أي شيء. لأن من حق عائلة عبدالسلام الشبحي أن تعرف لماذا قتل. ومن حق الجرحى أن يعرفوا لماذا أصيبوا. ومن حق كل من كان هناك أن يعرف ما حدث بالضبط.
ماذا يقول القانون عن استخدام القوة؟
من وجهة نظر قانونية، أي استخدام للقوة ضد متظاهرين يجب أن يستوفي ثلاثة شروط أساسية:
الشرط الأول: الضرورة
يجب أن يكون التهديد حقيقياً ووشيكاً. ليس مجرد احتمال، بل خطر داهم يهدد الأرواح أو الممتلكات.
في حالة معاشيق، الشهادات الميدانية تنفي وجود أي تهديد حقيقي. تحدثت عن “تدافع محدود”، لا عن “هجوم مسلح”. والأهم: هل كان رجل ستيني جزءاً من هذا “الهجوم المسلح” المزعوم؟
الشرط الثاني: التناسب
يجب أن لا تتجاوز القوة المستخدمة مستوى التهديد. الرصاص الحي ليس وسيلة لتفريق متظاهرين، حتى لو رشقوا الحجارة.
المعايير الدولية تنصح بالتدرج: تحذيرات لفظية، ثم وسائل غير فتاكة (خراطيم ماء، غاز مسيل للدموع)، ثم الرصاص فقط في حالات الخطر الداهم.
الشهادات لا تذكر أي تحذيرات أو وسائل تفريق قبل الرصاص الحي.
الشرط الثالث: المساءلة
يجب أن يكون هناك تحقيق فوري ومستقل في أي سقوط لضحايا. تحقيق تنشر نتائجه، وتعرف فيه الجهة التي أعطت أوامر إطلاق النار، وتحاسب إن ثبت تجاوزها.
حتى الآن، لا يوجد تحقيق معلن.
خلف الأحداث.. من أدخل هذه القوات؟
الأيام التي سبقت الحادثة شهدت تحركاً غير عادي. قوات جديدة دخلت عدن بقيادة الحاكم العسكري فلاح الشهراني. قيل إنها “قوات أمن وطني”، قيل إنها لتحل محل القوات العسكرية. قيل الكثير.
لكن ما حدث في معاشيق يطرح سؤالاً مختلفاً: ما نوع هذه القوات؟ وما الأسلحة التي تمتلكها؟ ولماذا كان أول اختبار لها هو إطلاق الرصاص على محتجين، يسقط فيه رجل ستيني؟
صالح أبو عوذل، رئيس مؤسسة “اليوم الثامن”، يقرأ المشهد من زاوية مختلفة:
“قوة مفرطة استخدمتها القوات المدعومة سعودياً، والتي أدخلها الحاكم العسكري خلسة إلى العاصمة عدن.”
ويسأل:
“هل القوات الأمنية تمتلك هذه الأسلحة المتوسطة؟ ولماذا اختارت إطلاق الرصاص بشكل مميت تجاه المحتجين؟”
أسئلة لا تخص فقط ليلة معاشيق، بل تخص مستقبل عدن كلها. أي مدينة هذه التي تدخلها قوات جديدة فتكون أول مهمة لها قتل متظاهر تجاوز الستين؟
صوت من الخارج
من الكويت، كتب الكاتب أنور الرشيد قراءته للحدث. لم يكن منشغلاً بالتفاصيل الدقيقة، بل بالصورة الكبيرة.
“ما قامت به الشرعية مساء أمس يصنف كجريمة ولا بد من تقديم مرتكبيها للعدالة.”
ثم أضاف عبارة لافتة:
“المواجهة هي مواجهة بين شعب جنوبي وشرعية تحتل أرضه.”
صوت إقليمي يتبنى السردية الجنوبية، ويرى في ما حدث جريمة وليس إجراء أمنياً. هذا الصوت مهم، لأنه يكسر فكرة أن القضية الجنوبية شأن داخلي فقط، ويظهر أن هناك مراقبين عرباً يرون ما يحدث بعيون مختلفة.
قتيل واحد، لكنه كثير
عبدالسلام الشبحي قتل في ليلة معاشيق. رجل تجاوز الستين قتل لأنه كان يهتف. قتل لأن قوات أمن قررت استخدام الرصاص الحي. قتل في مشهد لا يزال يحمل روايتين متناقضتين.
قتيل واحد في الأرقام، لكنه كثير في المعنى. كثير لأنه رجل كبير كان يمكن أن يكون في بيته. كثير لأن موته يطرح سؤالاً لم يجب عليه أحد: هل كان يجب أن يموت أصلاً؟
ما زالت عائلة عبدالسلام تنتظر. ما زال الجرحى ينتظرون. ما زال كل من كان هناك ينتظرون. ينتظرون تحقيقاً يثبت أن دم هذا الرجل الكبير لم يذهب هباءً. ينتظرون إجابة عن سؤال واحد بسيط: ماذا حدث بالضبط تلك الليلة؟
حتى تأتي الإجابة، سيبقى مشهد معاشيق مفتوحاً. ستبقى الأسئلة معلقة. وسيبقى اسم عبدالسلام الشبحي يتردد، ليس فقط لأنه قتل، بل لأنه رجل ستيني قتل في ظل روايتين متعارضتين، ولا أحد يعرف أيهما أقرب إلى الحقيقة.
وفي النهاية، تبقى حقيقة واحدة ثابتة: رجل كان يهتف ضد وجود وزراء شماليين لا يمثلونه في مدينته، فلم يعد يهتف. وهذا كثير.
كتبه: هشام صويلح
لـ “صحيفة وموقع النقابي الجنوبي
21 فبراير 2026