مقالات وآراء

‏الجنوب ومسار التفريغ السياسي للقضية

كتب السفير:
عبدالكريم أحمد سعيد

لم تكن قضية شعب الجنوب في يوم من الأيام مجرد مطالب خدمية أو حقوقية عابرة، بل نشأت بوصفها قضية سياسية وطنية ترتبط بالهوية والسيادة ومستقبل الأرض والإنسان. غير أن ما يجري اليوم يكشف عن مسار منظم يراد له أن ينقلها من إطارها السياسي الجامع إلى إطار حقوقي محدود، تختزل فيه المطالب الكبرى في تحسينات إدارية أو حصص وظيفية داخل بنية دولة لم تعد تمثل طموحات قطاع واسع من أبناء الجنوب.
إن تحويل القضية من مطلب استعادة دولة إلى مطالب أقاليم وتمثيل وظيفي وثروة وخصوصية ضمن يمن واحد، ليس تحولاً بريئاً في الخطاب، بل هو إعادة صياغة متعمدة للسقف السياسي. تبدأ هذه العملية بتهيئة الأرضية عبر تغييرات جذرية في القيادات الأمنية والإدارية، وإقصاء كل من يحمل المضمون الوطني للقضية، ثم الدفع بوجوه بديلة أقل ارتباطاً بالمشروع السياسي الجنوبي وأكثر قابلية للانخراط في تسويات جزئية. وعندما يفرغ المحتوى، يصبح الشكل هو الباقي؛ حوارات، لقاءات، لجان، ومجالس تحمل الاسم الجنوبي لكنها لا تعكس جوهره.
الحوار الجنوبي–الجنوبي كما يطرح اليوم يقدم بوصفه خطوة نحو النضج، غير أن النضج الحقيقي لا يعني التخلي عن الهدف، بل ترسيخه على أسس مؤسسية واضحة. أما إذا كان المقصود هو تفتيت التمثيل السياسي إلى تمثيل مناطقي عبر تشكيل مجالس لكل محافظة، بحيث يتحول الصوت الجنوبي من صوت سياسي موحد إلى أصوات موزعة بحسب الجغرافيا، فإن النتيجة الحتمية ستكون إضعاف الفكرة الوطنية الجامعة. حين يصبح تمثيل المحافظات بديلاً عن تمثيل المشروع السياسي، تتحول القضية من قضية شعب يسعى لاستعادة دولته إلى مطالب محلية متفرقة يسهل احتواؤها وإدارتها.
إن أخطر ما في هذا المسار ليس فقط إعادة تعريف المطالب، بل خلق بيئة صراع داخلي يضرب النسيج الاجتماعي ويعيد إنتاج المناطقية كهوية بديلة عن الهوية الوطنية الجنوبية. وعندما تتغلب الانتماءات الضيقة على المشروع العام، يصبح من السهل تحويل أي قضية كبرى إلى سلسلة من المطالب “العادلة” ضمن الإطار القائم، بدل أن تكون تعبيراً عن إرادة سياسية تسعى لتغييره.
كما أن استدعاء شخصيات سياسية بصفات شخصية لا حزبية، وإقصاء المكونات المنظمة التي تحمل رؤية واضحة، يهدف إلى تفكيك البنية السياسية للقضية وتحويلها إلى أفراد يمكن احتواؤهم بدل مؤسسات يصعب تجاوزها. فالمكونات السياسية، مهما اختلفنا معها، تبقى حاملة لفكرة ومشروع، بينما الأفراد بلا أطر تنظيمية يسهل توجيههم أو تحييدهم.
إن القضية الجنوبية ليست مطالبة بعدد من المناصب العليا، ولا بنسب محددة من الثروة، ولا بمجرد اعتراف شكلي بالخصوصية. هذه كلها تفاصيل يمكن أن تبحث في أي إطار إداري، لكنها لا تمثل جوهر المسألة. الجوهر هو الدولة والهوية والسيادة وحق تقرير المصير. وعندما يخشى من هذا الجوهر، يتم استبداله بخطاب حقوقي محدود يطمئن الداخل والخارج، ويبقي المعادلة السياسية كما هي.
المعركة اليوم ليست فقط على الأرض، بل على المعنى. إما أن تبقى القضية الجنوبية قضية سياسية وطنية تسعى إلى استعادة الدولة بكامل مضمونها، أو تختزل في مطالب تحسين شروط الشراكة ضمن واقع يرفضه كثيرون. والوعي الشعبي هو الحصن الأول في مواجهة أي محاولة لإعادة تعريف القضية خارج إرادة أصحابها. فالقضايا العادلة لا تموت، لكنها قد تشوه إن لم نحسن حمايتها من التفريغ والاحتواء.
في الاخير على كل سياسي جنوبي وطني أن يعيد التفكير الف مره قبل أن يتم اليوم استخدامه وفي الغد سيكون الندم لانه شارك بهدم قضية شعبه.

السفير:
عبدالكريم أحمد سعيد

زر الذهاب إلى الأعلى