آداب وفنون

«التيسير في المداواة والتدبير» لابن زهر رائد الطب الإكلينيكي في الحضارة الإسلامية

كريترنيوز/ متابعات/ ريم الكمالي 

في القرن الثاني عشر الميلادي ظهر في مدينة إشبيلية الأندلسية طبيب عربي مسلم يدعى عبدالملك بن زهر الإيادي، اشتهر بكنية أبو مروان، وكان من عائلة تمتهن الطب أباً عن جد، وكذلك أولاده من بعده.

 

لكن ابن زهر أصبح أحد أعظم أطباء الحضارة العربية والإسلامية، بعد أن كتب كتباً عديدة في الطب، لكن أشهر مؤلفاته كان «التيسير في المداواة والتدبير»، الذي لم يكن مجرد مصنف طبي، بل إعلان مبكر عن ولادة الطب السريري التجريبي بالمعنى الحديث للطب.

ألف ابن زهر كتابه «التيسير في المداواة والتدبير» بعين ترى العلة في اللحم والنبض والتنفس، لا في القياس المنطقي وحده، وكتبه بلغة الطبيب الممارس، فكان يصغي للجسد، ليجعل التجربة أصل المعرفة في كتابه، وقد ألفه استجابة لطلب من الفيلسوف ابن رشد، ليكون كتاباً عملياً مكملاً، لكنه تجاوز كونه مكملاً ليصبح أحد أهم الكتب الطبية التطبيقية في تاريخ الطب الوسيط.

 

 

الكتاب ليس موسوعة نظرية، بل هو دليل علاجي منظم، يعالج أمراض الجسم عضواً عضواً، من الرأس حتى القدمين، وفق منهج يقوم على وصف الأعراض بدقة، والتفريق بين الأمراض المتشابهة، ومتابعة تطور الحالة، وتحديد العلاج الغذائي والدوائي والإجرائي، إلى التحذير من الأخطاء الشائعة في التشخيص.

 

تميز الكتاب بخصائص عدة جعلته ثورياً في زمنه، حيث كان الطب قائماً على المشاهدة، معتمداً على المعاينة المباشرة للمرضى، وسجل حالات واقعية عالجها بنفسه، لا مجرد نقل عن السابقين، فامتاز بالتجربة قبل التعميم، حيث ذكر قيامه باختبار بعض الأدوية والإجراءات على الحيوانات قبل تطبيقها على الإنسان، وهو من أقدم الأمثلة المعروفة للتجريب السريري.

 

 

الوصف الدقيق للأمراض

من أبرز ما وصفه ابن زهر للأمراض، التهاب التامور، أي غشاء القلب، ووصف أمراض الرئة والقصبة الهوائية، وأورام المعدة والمريء، وأمراض الكبد، والجرب والطفيليات الجلدية.

 

كما وصف دودة الجرب وصفاً علمياً مبكراً، إلى اضطراب الهضم وسوء الامتصاص، ثم جمع بين العلاج والوقاية. لم يكتف ابن زهر بالعلاج، بل أفرد فصولاً في كتابه للتدبير الغذائي، وتنظيم النوم، والهواء، والحركة، والحالة النفسية.

الترجمة إلى اللاتينية

 

في القرن الثالث عشر الميلادي، ترجم الكتاب إلى اللاتينية، وطبع منذ القرن الخامس عشر مع كتب ابن سينا، وعبر كتاب التيسير إلى أوروبا، وعرف مؤلفه ابن زهر، باسم «أفينزورا»، وأصبح الكتاب أحد المراجع الأساسية في جامعة مونبيلييه بفرنسا، وجامعة بادوفا بإيطاليا.

 

وجامعة بولونيا. واستخدم كتابه للتدريس لقرون، جنباً إلى جنب مع ابن سينا والرازي، معتمدين عليه، خصوصاً في الأمراض الباطنية، والتشخيص السريري والتفريق بين أمراض الصدر والجهاز الهضمي، بالإضافة إلى قواعد التغذية العلاجية.

يعد ابن زهر في الدراسات الحديثة من الآباء الأوائل للطب الإكلينيكي القائم على الملاحظة والتجربة في الغرب، وإلى اليوم توجد النسخ العربية للمخطوطة التيسير في المداواة والتدبير، في عدد من المكتبات العالمية، مثل مكتبات: الإسكوريال بإسبانيا، والوطنية في باريس، وبرلين الحكومية، والسليمانية في إسطنبول ودار الكتب المصرية بالقاهرة.

 

يتميز الكتاب بخط أندلسي، أو مغاربي واضح في النسخ المبكرة، وكان عنوان الترجمة اللاتينية:

 

Avenzoar: Theisir

 

وكذلك

Liber Teisir de medicinis et regimen sanitatis

 

أسرة الطب

 

ينتمي ابن زهر إلى أسرة أندلسية عريقة في الطب، امتد عطاؤها لأجيال عدة، وكان أبوه وجده وأبناؤه أطباء، خصوصاً ابنته وحفيدته.

 

ولد في إشبيلية عام 1091م، وكانت المدينة آنذاك من أعظم حواضر الطب والعلم في الغرب الإسلامي. كتب العديد من الكتب، مثل كتاب الأغذية وكتاب الزينة، ومقالات علمية في الحميات والأدوية المفردة.

 

كان طبيباً صارماً في علمه، جريئاً في نقد الأطباء المتكلفين، حتى دخل في جدل علمي معروف مع ابن رشد نفسه حول أولوية التجربة على القياس. رحل الطبيب عبدالملك ابن زهر الأندلسي عام 1162م، بعد أن جعل من التجربة قلمه، ومن الرحمة علمه.

 

ما هو كتاب «التيسير» ولماذا كتب؟

الكتاب منعطف في تاريخ الطب التطبيقي وإعلان مبكر عن ولادة الطب السريري التجريبي بالمعنى الحديث

 

ابن زهر أدخل الطب غرفة المريض وغير طريقة العلاج

 

الكتاب اعتمد للتدريس لقرون عدة.. واعتبر من المراجع الأساسية في جامعات مونبيلييه الفرنسية وبادوفا وبولونيا الإيطاليتين

 

يفرد فصولاً للتدبير الغذائي وتنظيم النوم والهواء والحركة والحالة النفسية

 

المصادر:

بعد ترجمة كتاب التيسير تعلمت أوروبا كيف تراقب المريض

 

سرير المريض أول مختبر في تاريخ الطب
زر الذهاب إلى الأعلى