جيب المجوز يا عبُّود

كتب: أحمد مهدي سالم
كلما أسمع أغنية “صباح”: جيب المجوز يا عبود، ورقِّص أم العيون السود وخلي الشحرورة الحبوبة.. تغني ويهب البارود”، يحن قلبي إلى الجوازة التي لم أقدر عليها حاليًّا بعد موت زوجتي منذ عشرة أشهر، كما أني أتذكر زميلي عبود الحروري الذي درَّسته مقرر البلاغة في قسم اللغة العربية بزنجبار قبل عشرين، وكان ضمن مجموعة طلاب لم يُوفقوا في الاختبار ، وبينهم عبود المتأهل وهو معلم، ومعه عدد لا بأس به.. أعتقد أني حرمتهم دخول امتحان الدور الأول فجاءني إلى البيت وتحدث معي، ولم ألبِّ طلبه، فقال لي مغضبًا: أنت تشرح أحيانًا بسرعة، ولا نلحقك، قلت له: مقبولة وفي القادم سأمشي ببطء بسرعة السلحفاة في الشرح حتى تقولوا لي أسرع.
منذ ذاك اليوم بدأت أركز على عبود.. شاب أسمر من الحرور، دمه حالي، وديع الخلق، طموح ،والحرور منطقة حلوة تتبع مديرية خنفر، وهي تقع إلى الغرب من جعار، ولي عدد من الصداقات الرائعة منها.. شبابها حلوين، وبناته حلوات رغم أنهم يعيشون في منطقة صحراء.. جفاف، هبوب دائم للرياح والأتربة عليها، وكانت أيام السلطنات تتبع سلطنة الحواشب، ولا أنسى أشير إلى كثيرين منها كوادر، دكاترة، في أماكن مميزة، وأكثرها الصحة.
تفتش وراء كل حجر تحصل خلفها حروري.
ويعجبني في عبود هدوؤه في نقاشاته في مقيل بو محفوظ، ملاصق لبريد جعار، وكان معنا عدد من المزايدين الذي كنت سمهم القاطع.. عبود إذا شاف الأكثرية مع الوحدة والدولة والنظام، وقلما يكونون كذلك، فهو وحدودي، وإن شاهد أصوات الانفصاليين تقوى وترتفع وتخفت أصوات مناصري الوحدة بحيث لا يبقى يناقش ويواجه غيري أنا، فيفرك بي، وينضم معهم، وعادة نكاية بي: يضيف إلى ما قاله لينين.. طبعا جلستنا ونقاشاتنا كانت فترة تقريبًا من 2000 إلى 2006،ورغم كثرة المزايدات الانفصالية والحراكية المتعصبة إلا إن مقيلنا يتميز عن باقي المقايل بالتنوع وجود ما اسميه ألوان الطيف السياسي والقبلي.. أي وجود للحراكيين المتعصبين، وللمؤتمريين، والمستقلين وغيرهم، ومن الطيف القبلي: اليافعي،والفضلي، والعولقي، والعوذلي والحوشبي، والزبيدي، وغيره. بقعة ضيقة فيها المكارد جواني.. كنا نتفاسح ونتنافس فيها، وفي كثير مرات يعلو صخب الأصوات، ويكاد يشتبك المتناقشون فيدخل أناس من الشارع، أو يدخل أصحاب البطة، وعلى رأسهم المولعي الشهير عبدالله دابي.. يدخلون، يحولون دون الصدامات، ويهدأ الجو، وتعود النقاشات هادئة على أمل انتظار نقاش صاخب قادم.. تُستعرض فيه سخونة المواجهات بعد أن يصل النقاش إلى طريق مسدود، ورفض البعض الاقتناع بأن رأيه خطأ فيظهر قوته على بعض الطيبين، وصراحتي وجرأتي وتعصبي للرأي الصحيح جعلني وحيدًا في معظم المناقشات الساخنة، والمواجهات.. وعبود ساكت يقف مع الجامعة التي ترفع صوتها بوقاحة، حتى وهو يعلم كل العلم أن الحق، أو الرأي الصادق، أو المعلومة الصحيحة معي، وكذا شأن زملائي ضعغاء الرأي، إلا إني أصرُّ وأفرض رأيي، وللعلم مقيلنا يتميز بوجود مستويات علمية.. فيه حملة مساجتير، وبكالوريوس، ودبلوم، وأقل واحد ثانوية عامة، وبعض مدراء سابقين..
الشيء الغريب عندي أني أحمل مشاعر استلطاف وطيبة لزميلي عبود حتى وهو يقف في كثير النقاشات ضدي، وهو يعلم بصحة وحقيقة ما أقول، شأن شأن بعض كوادر المؤتمر الذين ترعبهم أصوات الحراك المتشنجة، ويتركونني وحيدًا وقد تعودت الترك في عدة مواقف مما أكسبني صلابةً، وقوةً، وتشهد بذلك ندوات كبيرة في منتديات زنجبار ولحج وعدن، وأصرٌّ على الرأي الصحيح، أو المعلومة الصادقة، وأصدح بها، ولأن معنا اثنان أو ثلاثة هم الذين محتكرو الكلام طيلة معظم الوقت، ويرهبون الآخرين أن تحدثوا أو قالوا معلومة فأتدخل بجفاء، وأفرض لعبود والباقين مساحة للحديث بعد أن حصروهم في دائرة المستمع فقط، المتلقي السلبي.
أتذكر أن الأخ الأكبر لعبود يعمل مهندسًا لسيارات كبيرة، النقل، وكانت ورشته تقع بجانب منتدى ومقر البعث في جعار بجانب أو ملاصق لورشة عبدالقوي، ولوجود معي سيارة وكوني قليل الخبرة في ميكنتها فدفعت بولدي الصغير ماجد، الجامعي الخريج والصحفي فيما بعد ليتعلم عنده، واستمر أسبوعًا أو عشرة أيام، ولكن لم يستوعب الميكنة والهندسة للثقيل، فقال محسن لولدي ماجد بسخرية: اسمع أنت ما باتتعلم الهندسة إلا أشرقت الشمس من الحرور… لما أخبرني بها ابتسمت وقلت لابني: لا تحبطك العبارة، استمر وانشط وستجد نفسك، الطريف أن محسن محب للغناء والعزف في وقت فراغه،ومعه عود يدندن عليه.. يسلي بها على نفسه غير أن عبود واقف لخوه بالمرصاد، يسخر منه رغم نجاحه في عمله، وبحكم علاقتنا الطيبة أقول لعبود: مالك على خوك اشوفك قاسي من حقه وحق اي واحد في فراغه يمارس موهبته فيرد ساخرًا: أيش يشتي يطلع فنان زي فيصل علوي..مستحيل ، فقلت لعبود مبتسمًا: على كلامك ما بيتعلم العزف والغناء إلا إذا طلعت الشمس من الحرور.
بوجود عبود وصحبه.. استطعت أن أنفع المقيل ببعض الحاجات مثل فرض احترام اللغة، والحديث ببعض عباراتها المعروفة.. يعني مثلا أقول للقائل؛: يا أبو محمد.. غلط، قل له: يا أبا محمد، واستمرار التنبيه على ذكرهم الأخطاء الشائعة، وقيامي بتصحيحها حتى عندما أغيب مثلًا المخطئ يصوبون له، ويذكرون له الصحيح، حتى عندما أحضر مباراة مهمة في ملعب الشهداء بزنجبار مثلًا بين حسان وشمسان، وأروح أكتب التعليق في المقيل، خصومي يحترمون جهدي، ولا يوجهون لي نقاشًا، كلامًا، سؤالًا إلا بعد أنهي كتابة التعليق، وإرساله إلى محل عبدالجبار لإرساله بالفاكس، وفي اليوم الثاني أحضر صحيفة الثورة أو الرياضة إلى المقيل ويطالعونها.
وكذا فرض المعلومة الصحيحة أي من يأتي بمعلومات، ونشك فيها ونسألها عن مصدرها: نقول له: وين دليك؟، واشتهرت ذي العبارة حتى في غيابي، وصار البعض يخجل منن تكراره أو قوله معلومات كاذبة، ويحرص على الحضور، وفي جعبته معلومات جديدة قرأها، أو سمعها فيفيد المقيل، وكنا كلنا نستفيد بمعنى أنا واجي للمقيل، ومعي معلومة جديدة أقولها وبعد ذلك أسمع، و أروح، ومعي سبع بعكس مقيلي الأخيرة.. الشجرة، أكثر الكلام أكاذيب، وشعارهم: اعطني خبر يفرحني حتى لو كان كذب، وتعبت معهم واجد، ولا أزال.
تحس بلطافة ومصداقية وطرافة لما تجلس عبود، هو أقرب إلى طبعي، جدادي، حديثه ممتع خاصة عندما يقص علي عندما كان يدرس في إحدى المحافظات الشمالية، لا يركز ولا يعجبه الحشوش، أو سلق أعراض الآخرين.. أتذكر فترة كنت فيها أخزن قدام السنترال بجعار، وكان معي الزميل الإعلامي أحمد علي سلام مدير الدار الجديد سابقًا بأبين، والمقوتي إيهاب صالح سهل.. الظهر في حديقة البلدية، والعصر مقالها صبة السنترال يمر عبود أمامنا، ومش باين عليه معه قات.. أدعوه يجلس.. تنناقش، نتجابر، وبعدين يخرج سلة القات من تحت الشميز، ويكمل الجلسة معنا.
عبود محدث لطيف، ولكنه قليل الكلام في مقيل بو محفوظ بسبب إرهاب وترهيب المتحدثين ليخلو الجو لهم، وأنا أواجههم، وأشاغبهم، ويذكر عبود وصحبه أني كنت في المقيل قوي الحضور، وصاحب فائدة كوني غالبًا أجيء بالجديد، وأشجع على المنطقية والتوازن في الطرح، ورفضي مظاهر العنصرية والجهوية، وأتصدى لكبار الآراء العصاباتية، التمزيقية، التحقيرية، وأتحمل الهجوم والجفاء.. لكن عندما نختلي بعبود في المقيل، أو غيره تشعر بارتياح لمناقشته.
من الطرائف.. ان بعض النقاشات يحصل فيها شد وجذب، وتعصب، وعندي المعلومة فلا يقتنعون مكابرةً، فأضطرُّ للاتصال بأحد الدكاترة أو المختصين ممن مجاله مرتبط بموضوع النقاش، وأفتح الأسبيكر ليسمع الجميع، أذكر ممن اتصلت به للإجابة على أسئلة نقاش د.محمود علي عاطف أمين عام مجلس جامعة أبين، وشيخ مشايخ كلد.. شفاه الله وعافاه من مرضه الأخير، د.عبدالله بابصيلي من أبناء جعار، ويدرِّس في جامعة حضرموت، ود.يحيى قاسم سهل الدكتور الحقوقي وصاحب أكثر من ثلاثين إصدارًا، وكذا هو من أبناء مدينتنا، وزميلي في حارة السلام… هذا على سبيل المثال سخاء بالاتصالات وأكلفة وإحراجات حتى أوصل لهم المعلومات الصحيحة، وهم بخلاء بأي اتصال يخدم المجموع مع أن وضعهم المادي يتجاوز حالتي بكثير؛ لكنها نفوس كريمة.. تحرص على العلم والقيمة.
وبالتأكيد، وأنا أنشر هذه الذكريات اللطيفة مع عبود.. سيطالعها ويعلم بها معظمهم ولو في أخطاء عندي سيردون، وقد توفى اثنان أو ثلاثة، والباقون عادهم يطرموا طريم.