لغز مرعب.. بحيرة قاتلة تخنق 1800 إنسان في دقائق

كريترنيوز /متابعات /وائل زكير
في عام 1986، تحوّلت ليلة عادية في شمال الكاميرون إلى واحدة من أكثر الكوارث غموضا ورعبا في التاريخ الحديث، حين لقي نحو 1800 شخص مصرعهم خلال لحظات دون أي إنذار مسبق. لم تكن هناك حرب، ولا زلزال، ولا انفجار واضح، بل صمت ثقيل خيّم على القرى المحيطة ببحيرة نيوس، تاركا وراءه مشهدا يفوق الخيال.
لم يكن يوم 21 أغسطس 1986 يوما مختلفا لسكان القرى القريبة من البحيرة. استيقظ الناس كالمعتاد، اعتنوا بمحاصيلهم ومواشيهم، احتضنوا أسرهم، ثم ذهبوا إلى النوم. لكنهم لم يستيقظوا مجددا، فقد ماتوا جميعا.
يروي إفرايم تشي، أحد الناجين الذين كانوا على بُعد آمن نسبيا من البحيرة، لمجلة سميثسونيان لاحقًا: “في ذلك اليوم لم يكن هناك ذباب على الجثث”، مشيرًا إلى أن حتى الحشرات ماتت. وعندما اقترب من القرى، واجه مشهدًا مرعبًا: آلاف الجثث متناثرة، لأصدقاء وأقارب وجيران. الجميع رحلوا.
يضيف تشي: “كنت أبكي… أبكي فقط”. ويتذكر أنه سمع في الليلة السابقة صوتًا غريبًا يشبه هديرا بعيدا، ظنه بداية أمطار، ثم عمّ الصمت التام. لا أصوات طيور، لا حشرات، لا حياة.
كانت الجثث في أماكنها الطبيعية، عند المواقد، أمام الأبواب، أو داخل المنازل. وكأن الزمن توقف فجأة. أما البحيرة، فقد تغيرت أيضًا؛ إذ تحولت مياهها من صفائها المعتاد إلى لون داكن مائل إلى الأحمر.
ماذا حدث في بحيرة نيوس؟
في البداية، لم يكن هناك تفسير واضح. لم تظهر أي علامات دمار مادي: البيوت سليمة، الحقول خضراء، ولا آثار صراع أو نهب. لذلك استُبعدت فكرة الكارثة التقليدية.
تعددت الفرضيات، مرض غامض، فيروس قاتل، أو حتى هجوم كيميائي. لكن كل تلك الاحتمالات سقطت سريعًا، بعدما زار المنطقة خبراء ولم يُصب أحد منهم بأي أذى.
لاحقًا، بدأت فرضية جديدة بالظهور على يد علماء براكين، الذين لاحظوا أن البحيرة تقع داخل فوهة بركانية، ما دفعهم للاشتباه في ثوران خفي. لكن المفاجأة أن الأدلة لم تدعم ذلك، لا حمم، لا بخار، ولا تغيّر حراري في المياه.
لغز مونون المفتاح المفقود
لم تكن بحيرة نيوس الحالة الوحيدة. قبلها بسنتين فقط، شهدت بحيرة مونون حادثة مشابهة، لكنها كانت أقل حجمًا، إذ لقي 37 شخصًا مصرعهم في ظروف غامضة. في البداية، بدت الواقعة وكأنها حادث محلي غير مفهوم، خاصة مع غياب أي دمار أو آثار واضحة تشير إلى سبب مباشر، ما زاد من حيرة السكان والسلطات على حد سواء.
لاحقًا، ومع وصول فرق علمية متخصصة، بدأت تتكشف الحقيقة تدريجيا. فقد اكتشف الباحثون أن مياه البحيرة كانت مشبعة بكميات هائلة من غاز ثاني أكسيد الكربون، المتسرب من باطن الأرض عبر الشقوق العميقة. وبسبب الضغط المرتفع في الأعماق، ظل الغاز مذابًا في المياه لفترة طويلة دون أن يُلاحظ، حتى وقع اضطراب مفاجئ في توازن البحيرة.
هذا الاضطراب أدى إلى تحرر الغاز بشكل سريع وعنيف، فتصاعدت سحابة كثيفة منه إلى السطح، قبل أن تنتشر بصمت في المناطق المنخفضة المحيطة. ونظرًا لأن ثاني أكسيد الكربون أثقل من الهواء، فقد زحف بالقرب من الأرض، مزاحما الأكسجين، ما تسبب في اختناق الضحايا خلال دقائق معدودة دون أي فرصة للنجاة أو حتى إدراك ما يحدث.ط
الانفجار اللمْني
هذه الحادثة شكّلت أول دليل علمي واضح على ظاهرة نادرة وخطيرة، وعرقت لاحقًا باسم “الانفجار اللمْني”، وهي ظاهرة يمكن أن تحوّل بحيرة هادئة إلى مصدر موت مفاجئ. وقد ساعد فهم ما جرى في بحيرة مونون العلماء لاحقًا على تفسير الكارثة الأكبر في بحيرة نيوس، ووضع حلول للحد من تكرارها في المستقبل. ومن هنا اكتشف العلماء أن المياه كانت مشبعة بكميات هائلة من ثاني أكسيد الكربون، خرج فجأة من الأعماق، ما تسبب في اختناق جماعي مفاجئ.
الحقيقة الصادمة
اتضح لاحقا أن غاز ثاني أكسيد الكربون يتسرب ببطء من باطن الأرض إلى قاع البحيرات العميقة، حيث يذوب تحت ضغط هائل ودرجات حرارة منخفضة، ما يسمح بتراكمه بكميات كبيرة دون أن يُلاحظ. لكن أي اضطراب بسيط، مثل انهيار أرضي أو هبوب رياح قوية تحرّك المياه، قد يخلّ بهذا التوازن الدقيق ويطلق سلسلة انفجارية من الفقاعات.
وتصعد هذه الفقاعات بسرعة هائلة نحو السطح، حاملة معها المزيد من الغاز من الأعماق، لتتحول العملية إلى تفاعل متسلسل متسارع لا يمكن إيقافه. وفي النهاية، ينفجر الغاز إلى الهواء على شكل سحابة كثيفة عديمة اللون، تنتشر بسرعة وتزيح الأكسجين، ما يؤدي إلى اختناق كل الكائنات الحية القريبة خلال دقائق، وفقا لموقع “iflscience.
بحيرة قنبلة موقوتة
لم يكن أحد يتخيّل أن بحيرة هادئة يمكن أن تتحول إلى مصدر موت جماعي بهذا الشكل الصادم. لكن بحيرة نيوس كانت في الواقع أشبه بقنبلة صامتة، إذ تراكمت في أعماقها كميات هائلة من غاز ثاني أكسيد الكربون يومًا بعد يوم تحت ضغط مرتفع، دون أي إشارات تحذيرية واضحة على السطح. هذا التراكم المستمر جعل البحيرة غير مستقرة وقابلة للانفجار في أي لحظة عند حدوث أقل اضطراب.
وجاء الحل لاحقا عبر تدخل علمي دقيق، تمثّل في تركيب أنبوب ضخم يصل إلى أعماق البحيرة، يعمل على تفريغ الغاز بشكل تدريجي وآمن. وعند تشغيله لأول مرة، اندفع عمود ماء هائل إلى السماء بقوة لافتة، في مشهد أكد حجم الضغط المختزن. ومع استمرار هذه العملية، بدأت البحيرة تفقد خطورتها تدريجيًا، حتى أصبحت أكثر استقرارا وأمانا.
ومنذ عام 2019، أصبحت العملية مستقرة وآمنة، بعد أن تم تفريغ الغاز بشكل منتظم، لتتحول البحيرة من خطر قاتل إلى نظام خاضع للسيطرة. وبعد أربعة عقود من الكارثة التي أودت بحياة نحو 1800 إنسان، أصبحت بحيرة نيوس اليوم آمنة رسميًا