هوس البروتين.. كيف تحولت “الماكروز” إلى صناعة غذائية بمليارات الدولارات؟
من غذاء الرياضيين إلى أسلوب حياة عالمي

كريترنيوز /متابعات /نورا المرزوقي
قبل سنوات، كان البروتين يرتبط أساساً بلاعبي كمال الأجسام والمكملات الرياضية، أما اليوم، فقد أصبح كلمة تسويقية تهيمن على كل شيء تقريباً: القهوة، والزبادي، والحبوب، والآيس كريم، وحتى المياه الغازية.
في المتاجر الكبرى حول العالم، باتت عبارة (High Protein) أو غني بالبروتين تُطبع بحروف ضخمة على المنتجات كأنها ختم صحي قادر وحده على رفع المبيعات.
التحقيق الذي نشرته قناة “سي إن إيه” السنغافورية كشف كيف تحولت موجة البروتين إلى واحدة من أكبر الاتجاهات الاستهلاكية في قطاع الأغذية، مدفوعة بوسائل التواصل الاجتماعي وثقافة اللياقة والصحة السريعة.
سوق تتجاوز 100 مليار دولار
اقتصادياً، لم يعد الأمر مجرد موضة غذائية، بل صناعة عالمية ضخمة.
وتشير تقديرات حديثة إلى أن سوق الأغذية الغنية بالبروتين قد يرتفع من نحو 56 مليار دولار في 2025 إلى أكثر من 117 مليار دولار بحلول 2034، بمعدل نمو سنوي يتجاوز 8%.
كما تتوقع تقارير أخرى أن يشهد قطاع المنتجات الغذائية المعتمدة على البروتين نمواً بأكثر من 57 مليار دولار إضافية خلال السنوات الخمس المقبلة، مدفوعاً بالطلب المتزايد على الأطعمة الوظيفية والمشروبات المدعمة بالبروتين.
هذا النمو دفع شركات الأغذية العملاقة إلى إعادة صياغة منتجاتها بالكامل. فشركات مثل (PepsiCo) و(Starbucks) و(Nestlé) بدأت تضيف البروتين إلى منتجات لم تكن مرتبطة به سابقاً، من القهوة الباردة إلى رقائق الذرة والوجبات الخفيفة.
الجيل الجديد هو الهدف الرئيسي
اللافت أن هذه الصناعة لا تستهدف الرياضيين المحترفين فقط، بل تركز بشكل أساسي على جيل زد والجيل الألفي، الذين باتوا يعتبرون البروتين جزءاً من أسلوب الحياة وليس مجرد عنصر غذائي.
وتشير بيانات (Bain & Co) إلى أن 44% من المستهلكين الأميركيين يحاولون زيادة استهلاك البروتين، بينما ترتفع النسبة إلى أكثر من 50% بين جيل زد والجيل الألفي.
وتوضح تقارير تسويقية أن العلامات التجارية تستهدف هؤلاء الشباب تحديداً لأنهم الأكثر تأثراً بثقافة تحسين الذات المنتشرة على “تيكتوك” و”انستغرام”، حيث تحولت الوجبات الغنية بالبروتين إلى جزء من الهوية الرقمية والصورة الاجتماعية.
اقتصاد البروتين
وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دوراً محورياً في تحويل البروتين إلى ظاهرة عالمية، فمقاطع “وجباتي لهذا الأسبوع” و“أهداف البروتين اليومية” و(Proffee)، وهو خلط القهوة بمسحوق البروتين، حققت مئات الملايين من المشاهدات.
ووفق تقارير حديثة، فإن 72% من جيل زد يعتمدون على وسائل التواصل للحصول على نصائح غذائية وصحية، ما جعل خوارزميات المنصات الرقمية شريكاً أساسياً في تضخيم موجة البروتين.
حتى “ستاربكس” دخلت على الخط، مطلقة مشروبات مثل “بروتين لاتيه”، ضمن استراتيجية تستهدف المستهلكين الباحثين عن غذاء سريع وصحي في آن واحد.
تسويق أكثر من تغذية
لكن خلف هذا النجاح التجاري، يحذر خبراء تغذية من أن كثيراً من المنتجات الغنية بالبروتين ليست صحية بالضرورة، فشركات الأغذية تضيف أحياناً كميات بسيطة من البروتين إلى منتجات عالية المعالجة، ثم تسوقها باعتبارها خياراً صحياً.
وتصف تقارير هذه الظاهرة بالهالة الصحية، حيث يكفي وجود عبارة “20 غرام من البروتين” على العبوة لإقناع المستهلك بأن المنتج مفيد، حتى لو كان مليئاً بالسكر أو الدهون أو المواد المصنعة.
ولهذا السبب، بدأت تظهر انتقادات لما يسمى الوجبات البروتينية السريعة، التي تحول التغذية إلى عملية حسابية قائمة على الماكروز والأرقام بدلاً من التوازن الغذائي الحقيقي.
البروتين يدخل كل شيء
اللافت أن موجة البروتين لم تعد تقتصر على المكملات أو الوجبات الرياضية، اليوم يمكن العثور على بروتين مضاف في الفشار، والآيس كريم، والشوكولاتة، وحتى المياه المنكهة.
وفي الولايات المتحدة، تضاعف عدد المنتجات الغذائية التي تحمل ادعاءات غنية بالبروتين أربع مرات (Mintel).
لماذا تستثمر الشركات مليارات؟
السبب اقتصادي بحت: البروتين يبيع. فالمستهلك الحديث بات يربط البروتين بالطاقة، وبناء العضلات، والصحة، وحتى طول العمر، وهذا جعل الشركات قادرة على رفع أسعار المنتجات بمجرد إضافة كلمة “بروتين” إلى العبوة.
كما أن موجة أدوية إنقاص الوزن مثل (GLP-1) ساهمت في زيادة التركيز على البروتين، لأن المستخدمين يحتاجون للحفاظ على الكتلة العضلية أثناء فقدان الوزن، ما خلق سوقاً جديدة بالكامل للأغذية الغنية بالبروتين.
من التغذية إلى ثقافة
ما يحدث اليوم يعكس تحول البروتين من عنصر غذائي إلى ثقافة استهلاكية متكاملة، فالبروتين لم يعد يُباع كمنتج فقط، بل كرمز للانضباط والصحة وتحسين الذات.
وفي عالم تقوده الخوارزميات والمؤثرات البصرية، أصبحت صورة كوب قهوة غني بالبروتين أو لوح شوكولاتة صحي جزءاً من الهوية الرقمية لجيل كامل.
لكن بينما تواصل الشركات ضخ المليارات في هذا القطاع، يبقى السؤال الأهم: هل يعيش العالم صحوة غذائية حقيقية، أم مجرد موجة تسويقية جديدة أعادت تغليف الطعام بلغة اللياقة والرفاهية؟