مقالات وآراء

الاستقرار في الجنوب لن يتحقق بعقلية الوصاية السياسية أو بفرض ترتيبات من الخارج

كتب: أ. مهدي المقبلي

إن شعب الجنوب له قضية عادلة ومشروع وطني وهوية لا يستطيع أحد تجاوزها. فقد حاول الاحتلال اليمني الشمالي بكل الوسائل والطرق والحيل القذرة، واستخدم الترهيب والترغيب ولم يفلح، ثم لجأ إلى استخدام الإرهاب والقتل والتصفيات والسجون والتعذيب، ومع ذلك لم يستطع تجاوز هذه القضية العادلة والمشروعة.

وما نلاحظه اليوم أن الرياض وقعت في فخ التقارير المغلوطة التي تُرفع إليها من قبل بعض الأطراف الشمالية، والأكاذيب التي اعتادوا عليها منذ عقود، حيث يحاولون تضليل الحقائق وتزييفها عبر الوشاية والتخابر من خلال تقارير كيدية تصل إلى اللجنة الخاصة السعودية ضد شعب الجنوب وعدالة قضيته ورموزه الوطنية، إضافة إلى الادعاء بأن شعب الجنوب لا يريد استعادة دولته ولا يريد العودة إلى ما قبل عام 1990م.

وللأسف، صدّقت المملكة العربية السعودية هذه الأكاذيب، ووقعت في فخ تلك العصابات المارقة التي لا همّ لها سوى الفساد والنهب والسلب لخيرات الأرض الجنوبية، ولا تكترث بإقامة دولة يعيش فيها المواطن بأمن واستقرار وعدالة وتنمية. فهذا ليس في قاموسها، وإلا لفعلت ذلك منذ عقود. فهؤلاء لا يهمهم إلا ما يجنونه في حساباتهم من أموال ناتجة عن النهب والكسب غير المشروع، وهو ما يتنافى مع قيام دولة حقيقية.

واليوم تبيّن للشقيقة السعودية عكس ما كان يُرفع إليها، إذ وجدت شعبًا متمسكًا بقضيته وبمشروعه التحرري، ومؤيدًا بشكل كبير للكيان الجنوبي الأوسع، المجلس الانتقالي الجنوبي العربي، الذي فوّضه السواد الأعظم من شعب الجنوب، وجُدّد هذا التفويض بمليونية كبرى في الرابع من مايو 2026م.

إن ما أقدمت عليه الرياض في أحداث يناير 2026م يُعد تجاوزًا لإرادة شعب الجنوب العربي وقضيته التي يناضل من أجلها منذ عام 1994م، ومحاولة للالتفاف عليها بطرق سبق أن استخدمها الاحتلال اليمني الشمالي منذ بداية احتلاله للجنوب، ولن تنجح في طمس تلك القضية.

إن السياسة السعودية في الجنوب لم تحقق الأهداف المعلنة، بل ساهمت في تعقيد المشهد ومحاولة تهميش القوى الجنوبية الفاعلة، وفي مقدمتها المجلس الانتقالي الجنوبي، ومحاولة إعادة إنتاج أخطاء تجارب سابقة أثبتت فشلها. كما أن الأدوات التي استُخدمت لإدارة الملف الجنوبي لم تنجح في خلق واقع مستقر أو بديل يحظى بشرعية وشعبية واسعة، في ظل وجود تناقض كبير بين الدعوات إلى حوار جنوبي وبين استبعاد بعض المكونات من مسارات سياسية مختلفة، إلى جانب تفريخ كيانات لا تحظى بأي شعبية في الداخل الجنوبي.

كما أن الرهان على قوى مرتبطة بجماعة الإخوان، أو التساهل مع عودة بعض الأطراف المتطرفة، لن يسهم في تحقيق الاستقرار جنوبًا. ففرض الأنماط الفكرية أو الدينية التي لا تنسجم مع خصوصية المجتمع الجنوبي يسهم في تعميق الفجوة بين المجتمع والجهة الراعية لهذه السياسات. وعلى سبيل المثال، فإن جماعة الحوثي التي تحاول السعودية اليوم التوصل إلى تفاهمات معها وإدخالها في شراكة مع شرعية الأمر الواقع المفروضة على شعب الجنوب، تمثل نموذجًا واضحًا للتحديات التي تواجه المنطقة.

إن الحل الحقيقي يكمن في عدم تجاوز شعب الجنوب وقضيته. وعليه، يتوجب على الرياض أن تدعو إلى حوار سعودي ـ جنوبي مباشر وشامل يضم جميع الأطراف المؤثرة، وعلى رأسها المجلس الانتقالي الجنوبي العربي، باعتبار ذلك الطريق الأكثر واقعية للوصول إلى تسوية مستقرة ودائمة في المنطقة.

فالاستقرار في الجنوب لا يمكن تحقيقه عبر الوصاية أو فرض ترتيبات خارجية، بل من خلال تفاهمات سياسية تعترف بالواقع القائم وموازين القوى الفعلية على الأرض، بما يسهم في الحفاظ على الاستقرار الإقليمي وتجنب المزيد من التعقيدات في المستقبل.

زر الذهاب إلى الأعلى