منوعات

اختبأت لعقود بين الجبال.. كيف عثر العلماء على “سيف السماء”؟

كريترنيوز/ متابعات /السيد محمود المتولي

 

في أعماق الجبال الوعرة والغابات القديمة في تايوان، حيث يصعب على البشر الوصول، نجح فريق دولي من الباحثين والمتسلقين في تحقيق اكتشاف استثنائي بعد نحو عشر سنوات من البحث الحثيث.

عثر الفريق الولي على أطول شجرة معروفة في شرق آسيا، وهي شجرة تنوب تايوانية (Taiwania cryptomerioides) والتي يبلغ ارتفاعها 84.1 متراً، وأطلقوا عليها اسم “سيف السماء”.

ورغم أن شجرة بهذا الارتفاع تعادل تقريباً مبنى مكوناً من 25 طابقاً، فإن العثور عليها لم يكن مهمة سهلة، فقد ظلت مخفية لعقود وسط غابات كثيفة تمتد عبر تضاريس جبلية شديدة الانحدار، في مناطق لا يمكن الوصول إليها إلا بعد أيام من السير والتسلق وفق scitechdaily.

تعود بداية الرحلة إلى عام 2014 عندما أطلق باحثون من معهد أبحاث الغابات في تايوان مشروعاً لاستكشاف أكبر الأشجار في الجزيرة وتوثيقها علمياً، بعدما كانت كثير من القصص حول الأشجار العملاقة تعتمد على الروايات المحلية أكثر من القياسات الدقيقة.

ركز الفريق على مجموعة من الأشجار العملاقة المعروفة باسم “أخوات تشيلان الثلاث”، حيث بلغ ارتفاع أطولها نحو 69 متراً، وهو رقم لفت أنظار الباحثين والمتسلقين من مختلف أنحاء العالم، لكن تلك النتائج دفعتهم إلى توسيع نطاق البحث باتجاه مناطق أكثر عزلة، خاصة بالقرب من جبل بينيا وبحيرة الأشباح الكبرى، وهي منطقة ذات أهمية ثقافية وسكانها الأصليون يطلقون على هذه الأشجار وصف “الأشجار التي تلامس القمر”، في إشارة إلى ارتفاعها الاستثنائي.

غير أن الفريق واجه تحدياً أساسياً تمثل في استحالة تقدير ارتفاع الأشجار بدقة من أرض الغابة، فالتاج الكثيف للأشجار والتضاريس الجبلية يجعلان من الصعب تمييز أي الأشجار أعلى من غيرها، حتى بالنسبة للخبراء. وبعد رحلة ميدانية تمكن خلالها الباحثون من تسلق شجرة بلغ ارتفاعها أكثر من 71 متراً، أدركوا أن أساليب البحث التقليدية لن تكون كافية، وأن الأمر يتطلب الاستعانة بتقنيات أكثر تطوراً.

اعتمد الفريق على تقنية “ليدار” (LiDAR)، وهي نظام مسح بالليزر يطلق نبضات ضوئية من الجو لقياس ارتفاع الأشجار ورسم خرائط ثلاثية الأبعاد للغابات بدقة كبيرة، وقد ساعدت هذه التقنية في تضييق نطاق البحث بين نحو 950 مليون شجرة تغطي غابات تايوان، لكن حتى هذه التكنولوجيا لم تكن معصومة من الخطأ، إذ تبين أن التضاريس الصخرية والمنحدرات الحادة كانت تتسبب في مبالغة النظام الآلي في تقدير ارتفاع عدد كبير من الأشجار.

ولتجاوز هذه المشكلة، حوّل الباحثون المشروع إلى مبادرة للعلوم المجتمعية، حيث شارك مئات المتطوعين في مراجعة صور وبيانات الليدار للتحقق من النتائج، وكانت المفاجأة أن نحو 93% من القياسات الأولية تبين أنها غير دقيقة، وهو ما وفر على الفريق سنوات من الرحلات الميدانية التي كانت ستقودهم إلى أشجار أقل ارتفاعاً مما تشير إليه البيانات الآلية.

وبفضل هذا التعاون بين التكنولوجيا والخبرة البشرية، أُنجزت أول خريطة شاملة للأشجار العملاقة في تايوان بنهاية عام 2022، وكشفت عن وجود 941 شجرة يزيد ارتفاعها على 65 متراً، وخلال عطلة رأس السنة القمرية في يناير 2023، توجه الفريق إلى الموقع الذي أشارت إليه الخريطة باعتباره المرشح الأقوى لاحتضان أطول شجرة في الجزيرة.

وللوصول إلى الشجرة، اضطر الباحثون إلى خوض رحلة شاقة شملت السير لمسافة 20 كيلومتراً داخل مجرى نهر، ثم يومين من التسلق عبر الغابات الكثيفة والمنحدرات الجبلية، وبعد أن وصل أحد المتسلقين إلى قمة الشجرة وأنزل شريط القياس إلى الأرض، تأكد الرقم النهائي: 84.1 متراً، لتصبح “سيف السماء” أطول شجرة معروفة في تايوان وشرق آسيا.

ولم يتوقف الإنجاز عند هذا الحد، فمع استمرار أعمال المسح حتى عام 2026، تمكن الفريق من توثيق عشر أشجار يتجاوز ارتفاعها 70 متراً، بينها شجرتان يزيد ارتفاعهما على 80 متراً، كما اكتشف مناطق تضم تجمعات نادرة من الأشجار العملاقة، من بينها غابة في جبل بينيا تحتوي على 11 شجرة يزيد ارتفاع كل منها على 65 متراً داخل مساحة لا تتجاوز هكتاراً واحداً، إضافة إلى غابة أخرى تضم نحو 30 شجرة عملاقة متجاورة.

وأظهرت الدراسات اللاحقة أن هذه الغابات ليست مجرد مشاهد طبيعية مبهرة، بل تؤدي دوراً محورياً في تخزين الكربون. ففي عام 2024 أجرى الباحثون قياسات داخل أحد الأودية التي تضم ثالث أطول شجرة في تايوان، وتوصلوا إلى أن كثافة الكربون المخزن في الغابة تبلغ 1384.5 ميغاغراماً للهكتار، دون احتساب الجذور، وهو معدل يضع هذه الغابات بين أكثر النظم البيئية كثافة في تخزين الكربون على مستوى العالم.

ويؤكد هذا الاكتشاف أن حماية الغابات القديمة لا تقتصر على الحفاظ على التنوع الحيوي أو الأشجار النادرة، بل تمتد إلى دورها الحيوي في الحد من تغير المناخ، إذ تمثل مخازن طبيعية ضخمة للكربون وتسهم في الحفاظ على التوازن البيئي.

كما يبرز المشروع نموذجاً ناجحاً للتعاون بين العلماء والمتخصصين والمتطوعين، حيث اجتمعت التقنيات الحديثة مع العمل الميداني الشاق والمشاركة المجتمعية لتحقيق اكتشاف ظل بعيد المنال لسنوات طويلة.

وبالنسبة لسكان تايوان الأصليين، فإن الأشجار التي وصفوها منذ قرون بأنها “تلامس القمر” لم تعد مجرد أسطورة أو رواية متناقلة، بل أصبحت حقيقة علمية موثقة تؤكد أن الطبيعة ما زالت تخفي كنوزاً هائلة تنتظر من يكتشفها، وأن الغابات القديمة ليست فقط شاهداً على التاريخ، بل أيضاً أحد أهم مفاتيح حماية مستقبل كوكب الأرض.

زر الذهاب إلى الأعلى