إلى أين نمضي؟

شعر: د. فؤاد علي ناصر الحاج
الأحد الموافق 26 يوليو 2026م
#عدن
إلى أين نمضي؟
هاه… هاه… لا أدري…
هاه… هاه… أدري…
ولكنني بين جهري وسرّي
أحمل ناري وجمري،
وأقضي بين الحنين والشوق عمري.
أدري… ولا أدري…
ولكنني أمضي إليه،
ولا أدري إليه لِمَ أجري.
أحُلمٌ صال وجال فيَّ،
وامتلك دواتي وحبري؟
أم عشقٌ أزليٌّ عانق صدري،
فجعلته بين بناني زهرًا،
وفي فؤادي شهدًا،
وبنيت من الآمال به مجدًا؟
تاه وهام بحبه فكري…
أدري… ولا أدري…
كيف جعلته سلطان أمري،
وجعلته مسبحتي ودعائي،
وأغدقت عليه بأشواقي،
وأسكنته دفاتري،
وسكبت له مشاعري،
حتى صار أمره أمري.
وصرت أفتش عنه…
في سمائي،
وفي أرضي،
وفي الضوء بين أيامي،
وبين صفحات دهري.
وأطرق أبواب الهوى…
فتغلقها أيدي القهر.
وأزرع في الرمل مشاتل حلم،
وبعض الرجاء أرسمه
في ثنايا حبي وصبري.
وفي موكب الحالمين نمضي…
شتلات الحب نغرسها،
ونزرع من بتلات الورد شعري.
وأغزل من دمع عيني قصيدًا،
يرتل وجعي بصوت المطر.
فما خاب قلبٌ تعلّق يومًا
برب السماء العظيم القدير.
إذا ضاق دربي
ناديت ربي،
فكان الرجاء رفيق العسر.
أدري… ولا أدري…
كيف يولد صبحي
من رحم هذا السهر؟
وكيف يزهر غصن الأماني
وقد أرهقته رياح القدر؟
ولكن قلبي عصيٌّ
على انكسار المواجع والقهر.
يحدثني أن بعد الظلام
تفيض السنابل فوق الحجر.
وأن الطريق، وإن طال يومًا،
سيبلغ غايته بالسير.
فلا اليأس يسكن أعماق روحي،
ولا الخوف يملك نبض الشجر.
أنا ابن الحكايات منذ ابتدائي،
وحامل نار الرؤى والفكر.
أنازع ريح الزمان العتيق،
وأزرع في الأفق وعد الظفر.
وأكتب اسمي على صفحة المجد،
بالحبر تارة…
وتارة بالجمر.
فإن مت يومًا،
فإن القصائد تعرف دربي،
وتحفظ للعاشقين الأثر.
وإن عشت،
أكملت حلمي،
وغنيت للحب حتى السحر.
وأبقيت في القلب بابًا
يؤدي إلى الله،
لا ينغلق بالعمر.
أدري… ولا أدري…
لكنني مؤمنٌ
أن في آخر الدرب
سرًا يليق بمن صبروا.
وأن الذي أودع الحب فينا
سيثمر يومًا
رياض الثمر.
فأمضي…
وإن أثقلتني الخطى،
ففي السير معنى حياة البشر.
وأمضي…
لأن التوقف موت،
ولأن الرجوع انكسار الظفر.
وأمضي…
وفي القلب طفلٌ
يصفق للحلم رغم الخطر.
وأمضي…
وما زلت أسأل نفسي:
إلى أين نمضي؟
فيأتيني الصمت…
ثم يهمس في داخلي:
إلى حيث يكتب الله أمر القدر.
أدري… ولا أدري…
ولكنني أبصرتها ذات هيف،
تمشي على أصابع قدميها،
وتميس على مهلٍ كالبدر.
وجهها كوجه الشمس،
وفي مقلتيها صفاء نهر.
قبلتها… غازلتها…
وأسميتها كوكبي ونجومي،
وإذا ابتسمتْ
أزهرت في الربى
سنابل قمحٍ وعطر.
شَعرها الطويل مثل ليلٍ،
إذا انسدل
أيقظ في الروح نوبات خمري،
وأسكرني بذكرى آمالي وحلمي،
واحتضنني كالسهل،
والجبل،
والصخر،
والنهر.
ضفائرها خناجر
تغتال فجري،
كأرضٍ تداعبها الريح
وتغري.
وحاجباها هلالان،
يزينان وجه ليلي القمري.
وعيناها… نافذتان في الأفق،
فيهما الموج،
والمرفأ،
والليل،
والفجر.
وخدّاها روضتان من الورد،
كلما مر النسيم عليهما
رقص الزهر والعطر.
وشفتاها كرمان،
إذا نطقتْ
سال البيان رحيقًا وسحر.
وثغرها حين يضحك…
تولد من ضحكتها ألف مدينة،
ويصير القلب مرجوحةً لها،
يلاعب شعرها،
والخد،
والفكر.
وعنقها نخلة سامقة،
تعانق سرب حمامنا الخضر.
وصدرها موطن عشق،
ومهد البطولة
من صغر صغري.
مغرية… فاتنة… رقيقة،
وقلبها خيمتي ومسكني،
ومحراب عشقٍ،
ومولدي وأسري.
وذراعاها تمتدان،
وتعانقان كطفل،
وتقلب دفاتري،
ونوتاتي،
وحبري.
وأصابعها شجرات البن،
والياسمين،
وأغصان السدر والسمر.
وخصرها جداول من نقاء،
تراقصها نسمة الفجر.
وثوبها مطرز بألوان الحكاية والذكرى،
كأنما نسجته يد الأيام
من خيوط المطر.
وساقاها قامتا جبلين
من العز والكبرياء،
تسكنهما هيبة الأرض
وعنفوان الحجر.
وقدماها…
أرض أجدادي.
وكل شبرٍ بهما
قبلة عاشق،
ومهد بطل،
ومصدر فخر.
وموطن من عبروا
إلى المجد والنصر.
أدري… ولا أدري…
ولكنني كلما اقتربت منها
سمعت صوت الحكايات القديمة،
ورأيت في عينيها
وجوه الذين مضوا،
وأحلام الذين بقوا،
وأغاني الأرض حين تنشدها الرياح.
وجدت فيها الجبل إذا شامخًا،
والبحر إذا هادرًا،
والوادي إذا احتضن خطى العابرين.
وجدت فيها رائحة التراب بعد المطر،
وصوت الأمهات عند النوافذ،
ودعاء الشيوخ في آخر الليل،
وخطوات الأطفال وهم يركضون
نحو فجر جديد.
أدري… ولا أدري…
أهي التي سكنت قلبي؟
أم أن قلبي كان يسكنها
منذ أول نبضة؟
أهي التي احتضنت أحلامي؟
أم أن أحلامي كانت تبحث عنها
في كل الجهات؟
فكل طريق سلكته
كان يقودني إليها،
وكل قصيدة كتبتها
كانت تخفي اسمها بين السطور.
وكل دمعة ذرفتها
كانت تسقي وردة من بساتينها.
وكل جرح حملته
كان نقشًا على جدارها.
يا من جمعت في وجهك
نور الشمس،
وفي صوتك دفء المدى،
وفي خطاك عزة الجبال،
وفي صمتك أسرار البحار…
أنت الحلم الذي لم يغادرني،
والأغنية التي لم تنتهِ،
والقصيدة التي كلما كتبتها
بدأت من جديد.
أدري… ولا أدري…
ولكنني الآن أدرك:
أنني لم أكن أمضي إليك فقط،
بل كنت أمضي إلى نفسي،
إلى جذوري،
إلى ذاكرتي،
إلى المكان الذي يسكنني
قبل أن أسكنه.
كنت أبحث عنك
في السماء والأرض،
في الضوء والدهر،
في الحلم والانتظار…
فوجدتك هنا…
في نبضي،
في دمي،
في حروفي،
في كل حجر من ترابك.
فأنت لست حكاية عشق عابرة،
ولا صورة جمال عابدة،
أنت العمر حين يبتسم،
والأرض حين تنشد،
والوطن حين يتحول إلى امرأة.
أدري… ولا أدري…
ولكنني أمضي إليك…
وسأبقى أمضي،
ما دام في القلب نبض،
وفي الروح حلم،
وفي العين فجر.
فإن سألوني:
إلى أين نمضي؟
قلت:
نمضي إلى حيث يولد الأمل،
إلى حيث تحفظ الأرض أسماء عاشقيها،
إلى حيث لا يضيع الحلم،
ولا تموت الحكاية.
نمضي إليك…
يا وطنًا
لبس ثوب الحبيبة،
وسكن القلب والذاكرة.
أدري… ولا أدري…
سأعود إليك…
لا كعابر دربٍ،
ولا كغريب يبحث عن أثر،
بل كالنهر يعود إلى منبعه،
وكالطير يرجع إلى عشه،
وكالقصيدة تعود إلى صدر الشاعر.
فأنت البداية…
وأنت الحكاية…
وأنت النهاية…
وفيك أجد السؤال والجواب:
إلى أين نمضي؟
نمضي إليك…
حيث لا يموت الحب،
ولا يسقط الحلم،
ولا تنحني راية الفجر.
أدري… ولا أدري…
لكنني أعلم:
أن الأرض التي تسكن القلب
لا تغيب.
وأن الوطن الذي نحمله في الروح
يبقى معنا…
حتى آخر النبض.
أدري… ولا أدري…