التقارب السعودي – الإماراتي فرصة ثمينة للجنوب.. حان وقت التقاطها

بقلم: اللواء علي حسن زكي
إن الثابت في العصر الراهن هو المصالح، وما عداها متحرك ومتغير ومحكوم بها. فـ”لا عداوة دائمة ولا صداقة دائمة، ولكن مصالح دائمة”. وإذا كانت المصالح الدولية والإقليمية، الجيوسياسية والبحرية، والتسابق عليها واستثمار ثرواتها هي الثابت، وتحت سقفها يأتي المتغير، فإن الثابت في مصلحة الجنوب يتمثل في حل قضيته واستعادة دولته، وما عداه متحرك ومتغير تبعًا للمتغيرات المحلية والإقليمية والدولية، وتحت سقفها.
وفي الأصل، فإن الثابت -بشكل عام- هو المؤسسة وهيئاتها القيادية المؤسسية، أما المتغير فهم الأفراد. ومن يعتقد أن القيادة صُنعت على مقاسه، فإنه يغرد خارج سياق التاريخ، فـ”لو دامت لغيرك ما وصلت إليك”.
ولئن كانت الرياضة لياقةً وقدرةً للفريق على الحركة في الملعب، فإن السياسة لياقة وقدرة قيادية على الحركة في الملعب الدبلوماسي، ومد جسور التواصل، واستمرار تطويرها نحو الأفضل، بلغة المصالح المتبادلة والشراكة الفاعلة في الحفاظ على الأمن والاستقرار الدوليين في المنطقة، ومكافحة الإرهاب والتطرف بكل أشكاله وصوره، والقرصنة البحرية، وضمان سلامة مرور سفن الشحن التجاري في الممرات المائية الإقليمية بخليج عدن والبحر الأحمر.
إن التقارب الإماراتي – السعودي، وبما لهاتين الدولتين من مكانة إقليمية ودولية وازنة، سيكون له أثره في إعادة تشكيل المشهد السياسي والعسكري في المنطقة، ولا ريب في ذلك.
ولا يمكن قراءة هذا التقارب بمعزل عن مكانة الجنوب في المشهد، طالما كان، بموقعه الجيوسياسي والبحري، عنصرًا فاعلًا في معادلة الأمن الإقليمي والدولي.
ومن هنا، يحمل هذا التقارب في ثناياه فرصة ثمينة للجنوب في حل قضيته واستعادة دولته، وقد حان وقت التقاطها، وذلك على قاعدة رؤية سياسية وطنية جنوبية جامعة، قائمة على أسس الحوار، ووحدة الصف، والشراكة في إدارة المرحلة، وحق المحافظات في إدارة شؤونها بأبنائها، بعيدًا عن الهيمنة والإقصاء. والسؤال: أين هي تلك الرؤية؟
على أن ذلك، ومهما توافرت له هذه المعطيات، على أهميتها، لا يمكن أن يتحقق ما دامت صفحة الماضي مفتوحة، وما دامت التباينات السياسية والجهوية تعشعش في الواقع الملموس، رغم انطلاقة التصالح والتسامح الجنوبي–الجنوبي، بسبب عدم استكماله بالمصالحة الوطنية، إذ إنها ليست حلقته المكملة فحسب، بل آليته التنفيذية أيضًا في تجسيده بالممارسة والسلوك، وهو ما يستوجب إجراءها اليوم قبل الغد.
واستخلاصًا لكل ما سلف، فإن إجراء مصالحة جنوبية، وفي سياق التقاط اللحظة التاريخية الماثلة التي أنتجت فرصة ثمينة للجنوب قد لا تتكرر على المدى المنظور، ومغادرة ثقافة التخوين والعمالة البينية، وخطاب الجفوة تجاه طرف إقليمي والميل إلى طرف آخر، أمر تفرضه حقيقة أن قضية شعب الجنوب واستعادة دولته تحتاج إلى وحدة أبنائه، وإلى انفتاح متوازن على الجميع في الخارج. إن كل ذلك قد صار، في هذه اللحظة التاريخية ومستجداتها، ضرورة وطنية عاجلة غير قابلة للتأجيل.
وخاتمة القول، أن على قدر تفاعل القيادة الجنوبية مع كل ما تقدم، والتقاطها لهذه الفرصة، واستيعابها في الأداء والممارسة، يتوقف مصير شعب الجنوب في حل قضيته واستعادة دولته، وحقه في الحياة الحرة والعيش الكريم. فالفرص لمن يلتقطها، وهي لا تدوم طويلًا، وحركة التاريخ لا تنتظر أحدًا.