مقالات وآراء

المعلم بين الحقوق الغائبة والواجبات المهملة

بقلم : أ/ معمر محضار

 

لطالما احتل المعلم مكانة سامية في الخطاب العام، ووصف بأنه “صانع الأجيال” و”باني الوطن”. غير أن الواقع الذي يعيشه المعلم اليوم يكشف عن فجوة واسعة بين هذه المكانة الرمزية وبين ما يحصل عليه فعلاً من حقوق، وما يُطلب منه من واجبات. فهو يقف في المنتصف: بين حقوق غائبة، وواجبات يُنظر إليها أحياناً بعين التقصير.

الحقوق الغائبة معاناة متراكمة تأتي في مقدمتها الحقوق المادية حيث ما يزال المعلم يعاني من تدني الرواتب وعدم انتظام صرفها، وتجميد العلاوات والترقيات لسنوات. وفي ظل موجات الغلاء المتتالية، أصبح الراتب لا يغطي الاحتياجات الأساسية. من الطبيعي أن ينعكس هذا الوضع على الأداء، ففاقد الشيء لا يعطيه.
ومن ضمن الحقوق الغائبة الحقوق المهنية فالكثير من المدارس تفتقر إلى أبسط مقومات العملية التعليمية حيث الكثافة الطلابية عالية، نقص في الكتب والوسائل، مناهج تحتاج تحديثاً، وغياب شبه كامل لبرامج التدريب والتأهيل المستمر، ونطالب المعلم في الوقت نفسه بمخرجات تعليمية تواكب العصر.
وتأتي ايضاً الحقوق المعنوية والاجتماعية حيث تراجعت المكانة الاجتماعية للمعلم بشكل ملحوظ بين قرارات إدارية مرتجلة، وضغوط من أولياء الأمور، وخطاب إعلامي يختزل أي خلل في التعليم بشخص المعلم حيث أصبح يشعر بالغبن والإحباط، رغم أنه العمود الفقري لأي نهضة.

وفي المقابل هناك الواجبات المهملة وهي مسؤولية لا. تسقط، لا يمكن إعفاء جزء من المعلمين من المسؤولية. فالمهنة رسالة قبل أن تكون وظيفة ، التقصير في العطاء داخل الفصل مع ضغوط الحياة، انحدر أداء بعض المعلمين إلى مجرد “تأدية حصة” دون تجديد أو إبداع، مما أفقد التعليم جاذبيته وأثر على مستوى الطلاب ، وهناك الجمود وغياب التطوير الذاتي في عصر تتغير فيه المعارف بسرعة، لا يزال بعض المعلمين متمسكين بطرق تدريس تقليدية، دون سعي لتطوير الذات أو مواكبة التقنيات التعليمية الحديثة.
وهناك ايضا تراجع الدور التربوي حيث ان دور المعلم لم يعد يقتصر على التلقين المجتمع اليوم بحاجة إلى مربٍ يغرس القيم ويعدّل السلوك ويكون قدوة. وإهمال هذا الجانب يفرّغ التعليم من أهم أهدافه.

لذلك نحن أمام معادلة عادلة بين طرفين حقوق المعلم الغائبة وواجباته المهملة.

إن إصلاح التعليم لا يمكن أن يتم بمعالجة طرف على حساب الآخر ، الحل يكمن في إعادة التوازن بين الحقوق والواجبات

على الدولة والجهات المعنية الالتزام بصرف مستحقات المعلمين كاملة وفي مواعيدها، وتحسين أوضاعهم المعيشية، وتوفير بيئة مدرسية لائقة، والاستثمار في تدريبهم وتأهيلهم.
وعلى المعلم استحضار عظم الأمانة الملقاة على عاتقه، والعمل على تطوير أدائه مهنياً وتربوياً، وتجديد النية بأن ما يقدمه هو بناء للمستقبل.
على المجتمع إعادة الاعتبار للمعلم، وتقدير دوره، والكف عن تحميله وحده تبعات فشل منظومة متكاملة.

ختاماً نقول المعلم هو حجر الزاوية في أي مشروع نهضوي. لا يمكن أن نطلب منه أن يبني عقولاً وهو محبط، وأن يغرس القيم وهو مهمش، وأن يعد للمستقبل وهو عاجز عن تأمين حاضره. إن أردنا تعليماً يليق بأوطاننا، فالطريق يبدأ من هنا
أنصفوا المعلم.. لينصف الأجيال والمجتمع.

زر الذهاب إلى الأعلى