مقالات وآراء

سيدي محمد أبي يعزى ويهدى آل الأساوي البكري.. قطب زاوية آسا وأحد أعلام الجنوب المغربي في القرن السابع الهجري

بقلم : النسابة المحقق د.مولاي ابراهيم الاساوي البكري القرشي

تحقيق تاريخي:

يحتل الولي الصالح الشيخ سيدي محمد أبي يعزى ويهدى الأساوي البكري الصديقي مكانة بارزة في الذاكرة التاريخية والروحية للجنوب المغربي، إذ ارتبط اسمه بقيام زاوية آسا وازدهارها، وبانتشار عدد من البيوتات العلمية والزوايا التي لعبت أدواراً دينية واجتماعية امتدت من وادي نون ودرعة إلى هشتوكة وسوس والأطلس الصغير.
وتشير المخطوطات العائلية والمشجرات القديمة، إلى جانب عدد من الروايات التي نقلها مؤرخو سوس، وفي مقدمتهم العلامة المختار السوسي، إلى أن الشيخ ينتمي إلى الدوحة البكرية الصديقية القرشية، وأن أسرته كانت من البيوتات العلمية والرباطية التي ارتبط تاريخها بحركة الهجرة والجهاد والمرابطة في بلاد المغرب خلال العصر الوسيط.

رحلة الأسرة البكرية من المشرق نحو المغرب:
تفيد الروايات التاريخية المتداولة داخل الأسرة، والمدعومة بعدد من الوثائق الخاصة، أن أجداد الشيخ ارتحلوا من المشرق الإسلامي إلى إفريقية، ثم إلى المغرب الأقصى، في مسار طويل ارتبط بإقامة الرباطات ونشر العلم والدعوة.
ويذكر العلامة المختار السوسي، نقلاً عن وثيقة كانت محفوظة لدى سيدي مبارك الإكسي، أن نفوذ هذه الأسرة امتد في مرحلة من المراحل «من تونس إلى الساقية الحمراء»، وأنها دخلت وادي درعة عبر سجلماسة، حيث أقامت رباطات وزوايا دينية أصبحت لاحقاً نواة للحركة العلمية في الجنوب المغربي، وكان من أبرزها زاوية آسا.

إقامة الأسرة بتونس ثم العودة إلى مراكش:
وتذكر المصادر التي تعتمد عليها الأسرة أن سيدي أبي بكر بن يوسف بن سيدي عيسى بن صالح أقام بجنوب تونس بعد سقوط الدولة المرابطية، بين أخواله من آل سيدي محرز بن خلف البكري القرشي، قبل أن يبعث إليه عبد الحق، حاكم آسا في العهد الموحدي، طالباً عودته إلى المغرب، إلا أن وفاته حالت دون ذلك، تاركاً ابنه سيدي محمد بن موسى في سن مبكرة.
وفي عهد الخليفة الموحدي يعقوب المنصور، تذكر المصادر أن بعثة رسمية توجهت إلى تونس لاستقدام الأسرة إلى المغرب، فعاد سيدي محمد بن موسى مع زوجته التونسية وأبنائه إلى مراكش، حيث حظي باستقبال رسمي، كما توثق الروايات وقوع مصاهرات بين الأسرة البكرية والبيت الموحدي، وهو ما عزز مكانتها داخل الدولة.

مولد الشيخ ونشأته بقصر الموحدين:
وبحسب ما تذكره المصادر العائلية، ولد الشيخ سيدي محمد أبي يعزى ويهدى يوم الخميس 28 محرم سنة 646هـ بمدينة مراكش داخل قصر السلطان يعقوب المنصور، ونشأ في محيط يجمع بين السياسة والعلم، قبل أن يتجه إلى طريق التربية الروحية والتصوف.
كما تحتفظ الأسرة برواية متوارثة حول سبب تسميته، إذ أصرت والدته على اسم محمد، بينما رغبت جدته في تسميته أبي يعزى، ثم أضيف إليه لقب ويهدى، فاشتهر باسمه المعروف في كتب المناقب والمشجرات.

العودة إلى آسا وإحياء الزاوية:
بعد بلوغه مرتبة المشيخة، ارتحل الشيخ إلى آسا برفقة عدد من أفراد أسرته، حيث أعاد إحياء الزاوية التي كان قد أسسها جده سيدي عيسى بن صالح بن أبي زيد، لتصبح آسا مركزاً علمياً وروحياً يقصده طلاب العلم والمريدون والرحالة.
وتشير الروايات إلى أن الزاوية شهدت في عهده ازدهاراً كبيراً، وأصبحت من أهم المؤسسات الدينية في الجنوب المغربي، وأسهمت في نشر التعليم الشرعي والتصوف السني وخدمة القوافل وتأمين طرق التجارة.

ذريته وانتشار الزوايا:
تذكر المصادر أن الشيخ تزوج ثلاث نساء، وانتشرت ذريته في مناطق متعددة من المغرب، فأسس أبناؤه وأحفاده زوايا ومدارس علمية في آسا ووادي نون وهشتوكة ودرعة وتاغجيجت وتمكروت وسوس وإفران الأطلس الصغير وغيرها.
ومن أشهر أبنائه:
-سيدي صالح.
-سيدي يحيى.
-سيدي إبراهيم.
-سيدي نوح.
-سيدي علي.
-سيدي عبد الكريم.
-سيدي محمد.
وقد تفرعت من هؤلاء بيوتات علمية وصوفية عديدة، ظل تأثيرها حاضراً في الحياة الدينية والاجتماعية لجنوب المغرب عبر قرون متعاقبة.
ومن أشهر الفروع التي تنتسب إلى الشيخ أسرة (أهل محمود بن مبارك آل الأساوي البكري)، المنحدرة من ذرية سيدي إبراهيم الأساوي، كما تنتسب إليه فروع أخرى استقرت في تمگروت زاگورة (آل الصديقي و آل الجوهري و آل البكري )وتاغجيجت وفاس وتاونات وغيرها، وخرج منها علماء وفقهاء وعدول وشيوخ زوايا.
كما ينتسب إلى فرع سيدي علي بن يحيى عدد من الأعلام، من أبرزهم سيدي أبو الحسن علي التمگروتي، سفير الدولة السعدية إلى الدولة العثمانية، ومؤلف كتاب النفحة المسكية في السفارة التركية، الذي يعد من أشهر كتب الرحلات والسفارات المغربية.
مكانته في تاريخ الجنوب المغربي
وتشير الروايات إلى أن الشيخ عاش نحو اثنتين وثمانين سنة، وظل قائماً على شؤون زاوية آسا ناشراً للعلم والتربية والإصلاح، حتى توفي سنة 726هـ، ودفن بزاويته التي ما تزال تحتفظ بمكانتها الدينية والتاريخية.
ويرى المهتمون بتاريخ الزوايا أن شخصية سيدي محمد أبي يعزى ويهدى تمثل إحدى الشخصيات المؤسسة للحضور العلمي والروحي في الصحراء المغربية، وأن انتشار ذريته في مختلف جهات الجنوب أسهم في قيام شبكة واسعة من الزوايا والمدارس التي أدت أدواراً بارزة في التعليم والقضاء والإصلاح الاجتماعي.

نسبه:
وفقاً لما تحفظه المشجرات والمخطوطات والوثائق التاريخية الخاصة بالأسرة وماجاء في امهات الكتب المعتبرة ، يرد نسب الشيخ على النحو الآتي:
الولي الصالح الشيخ سيدي محمد أبي يعزى ويهدى بن محمد بن موسى بن أبي بكر بن يوسف بن سيدي عيسى بن صالح بن أبي زيد بن إبراهيم بن سيدي الحسن بن علي بن عبد الله بن أحمد بن القاسم بن محمد بن جعفر الجوزي بن عبد الله بن القاسم بن النضر بن القاسم بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

خاتمة:
تبقى سيرة الشيخ سيدي محمد أبي يعزى ويهدى آل الأساوي البكري جزءاً من الذاكرة التاريخية لجنوب المغرب، وتمثل نموذجاً لتاريخ الزوايا والأسر العلمية التي أسهمت في نشر المعرفة الشرعية وإرساء الاستقرار الروحي والاجتماعي. ولا يزال هذا التراث بحاجة إلى مزيد من التحقيق العلمي، وجمع الوثائق، ومقارنة الروايات بالمصادر التاريخية المغربية والأندلسية والإفريقية، بما يتيح كتابة دراسة أكاديمية متكاملة حول هذه الشخصية ودورها في تاريخ المغرب الوسيط.

المصادر :

1- المعسول للمختار السوسي
2-قريش بين الماضي والحاضر
3-حلية الجيد في تراجم احفاد ابي بكر الصديق
4-آل الصديق ببلاد المغرب الإسلامي وشمال أفريقيا
5-الصحيح في انساب ال الصديق حازم زكي البكري المقدسي
6-تاريخ ابن خلدون
7-الدرر في نسب السادة البكرية اهل محمود بن مبارك ال الاساوي البكري
8- وفايات الرسموكي
9-انظر رجالات العلم العربي
10-دراسة انتروبولوجية للحركة الجزولية البكرية في سوس والصحراء المغربية
11-الجوهرة في نسب الشيخ يعزى ويهدى الاساوي البكري واحفاده البررة

زر الذهاب إلى الأعلى