دولية

الحزب الثالث في أمريكا.. هل يمكن أن تنتهي هيمنة الجمهوريين والديمقراطيين؟

تدخل الحياة السياسية الأميركية لحظتها الأكثر احتداماً منذ عامين، عبر انتخابات التجديد النصفي التي ستُجرى يوم الثالث من نوفمبر، حين يختار الناخبون كامل مجلس النواب، و35 مقعداً في مجلس الشيوخ، وحكّام 36 ولاية، و3 أقاليم.

الهوامش ضيّقة إلى حدّ كبير؛ حيث يضمّ مجلس الشيوخ اليوم 53 جمهورياً مقابل 47 ديمقراطياً (بينهم مستقلّان)، ويحتاج الديمقراطيون إلى انتزاع أربعة مقاعد صافية لاستعادة المجلس، بينما يكفيهم في مجلس النواب الفوز بثلاث دوائر لقلب الأغلبية.

على مشارف تلك اللحظة، نفتح نافذة على آلية نظام الانتخابات الأميركية. فالانتخابات النصفية، في العُرف الأميركي، استفتاءٌ على حزب الرئيس أكثر منها سباقاً على برامج مطروحة، فمنذ 1934 وحتى 2018، خسر حزب الرئيس الجالس في البيت الأبيض 28 مقعداً في النواب و4 في الشيوخ (متوسط كل دورة نصفية). والمعركة هذه المرّة تُخاض في أجواء متوترة، بسبب حرب إيران وارتفاع أسعار الوقود.

“جيريمَندَرِنغ”

أخطر ما في آلية الانتخابات النصفية يعمل قبل أن يُدلي أحدٌ بصوته؛ وهو ما يعرف باسم “رسمُ الخرائط”. فقبل هذه الدورة، ستستخدم أربع ولايات (كاليفورنيا وميزوري وكارولينا الشمالية وتكساس) خرائط مختلفة لدوائرها الانتخابية. وهنا يدخل مفهوم «الجيريمَندَرِنغ»، أي هندسة حدود الدوائر لمصلحة حزبٍ بعينه، عبر أسلوبين متكاملين؛ «التجميع»، ويتم فيه حشر أكبر عددٍ من ناخبي الخصم داخل دائرة واحدة تُمنَح له كي تخلو له بقيّة الدوائر؛ و«التفتيت»، الذي يتم فيه تشتيت كتلة الخصم على دوائر عدّة حتى تذوب أصواته في كلٍّ منها فلا تكفي للفوز في أيّها. بهذين المِبضعين تُرسم النتيجة سلفاً. والأهمّ لموضوعنا أن هندسة الدوائر سلاحٌ مشترك يتجاوز الاقتتال الحزبي، فالدائرة «الآمنة» حزبياً تُفرّغ الانتخاب العام من أي تنافسٍ حقيقي، ويُحسم الفوز فيها لحزبها الأصلي قبل بدء السباق، فينغلق الباب أمام أي طرفٍ ثالث، وكذا أمام الحزب الكبير الآخر أحياناً.

في خضمّ هذا الصخب، يلفت الانتباه غياب “الحزب الثالث”، تبدو الغالبية الساحقة من السباقات الحاسمة مبارزةً بين أزرق (الديموقراطي) وأحمر (الجمهوري)؛ دون فرصة واقعية للون آخر، وقصّة اللون الغائب، في هذه الدورة بالذات، هي المفتاح إلى فهم الآلية كلّها.

حزب أمريكا

قبل عامٍ واحد، حاول أغنى رجل في العالم أن يضيف لوناً جديداًً للمشهد السياسي الأمريكي. ففي الخامس من يوليو 2025، أعلن إيلون ماسك ميلاد «حزب أمريكا» غداة قطيعته مع الرئيس ترامب على خلفية قانون الإنفاق الضخم الذي رأى أنه يُثقل الدَّين العام، واعداً باستهداف مقعدين أو ثلاثة في الشيوخ و8 إلى 10 في النواب. بعد عام من ذلك ومع اقتراب الانتخابات النصفية، انطوى المشروع؛ إذ بدا أن ماسك تخلّى عن فكرته، وعاد ينفق بسخاء دعماً للجمهوريين مع دنوّ موعد الحسم. والسبب مفارقةٌ تشرح النظام بأكمله؛ أدرك ماسك أن حزبه الوليد سيسحب أصواتاً من مرشّحي الجمهوريين فيُضعفهم، فآثر تمويلهم على منافستهم.

والمفارقة الأعمق أن الأميركيين يقولون إنهم يريدون حزباً ثالثاً؛ فقد وجد استطلاعٌ لغالوب عام 2024 أن 58% منهم يرون أن البلاد بحاجة إلى حزب ثالث. ورغم اجتماع الرغبةٌ الشعبية العريضة، والمالٌ غير المحدود والتأثير العالمي لدى ماسك، تعثّرت محاولته في أقل من عام.. فأين تكمن العقبة؟

قانون دوفرجيه

جواب السؤال الأخير أن العقبة بنيوية في جوهرها، فالنظام الانتخابي الأميركي يقوم على قاعدة «الفائز يأخذ كل شيء» في دوائر فرديّة المقعد. وهذه القاعدة تُنتج، بحسب ما عُرف في علم السياسة بـ«قانون دوفرجيه»، توازناً ثنائياً شبه حتمي؛ حين يفوز مرشّحٌ واحد فقط، يخشى الناخب أن يُبدّد صوته على طرفٍ ثالث بلا حظّ، فيرتدّ إلى «أقل الضررين» بين الكبيرين. والمنطق الذي أفزع ماسك (قسمة أصوات المعسكر الواحد) هو نفسه المنطق الذي يُعيد إنتاج الحزبين في كل دورة.

فوق هذه القاعدة، شبكةٌ من القوانين صاغها الحزبان لتحصين موقعهما. فشروط الوصول إلى بطاقة الاقتراع تختلف من ولاية إلى أخرى، وتفرض جمع عشرات آلاف التوقيعات في كلٍّ منها؛ حتى اسم الحزب قد يصطدم بعائق، إذ يمنع قانون نيويورك مثلاً كلماتٍ بعينها في أسماء الأحزاب، ومنها لفظ «أمريكان». أما المفارقة الأشدّ فكانت فيدرالية؛ إذ فقدت لجنة الانتخابات الفيدرالية، الجهة التي تعتمد الأحزاب، نصابها القانوني بعد استقالة أحد مفوّضيها، ولا يملك تعيين البدلاء سوى ترامب نفسه. وهكذا يكتشف الطامح إلى طريقٍ ثالث أن الحارس على بوّابة الشرعية الانتخابية واحدٌ من الخصوم الذين خرج لينافسهم.

هنا يبرز ما هو «الأصعب» في طريق الحزب الثالث؛ وهو أن النظام الأميركي يهضم ويستوعب التمرّدات. الحزبان تحالفان واسعان، خيمتان تتّسع كلٌّ منهما لتياراتٍ متنازعة. ولذلك انتهت أفكار “الأحزاب الثالثة” في التاريخ الأميركي إلى أحد مصيرين؛ إما أن تحلّ محلّ أحد الكبيرين، كما ابتلع الجمهوريون حزب «الويغ» في خمسينيات القرن التاسع عشر؛ وإما أن تُصادَر أفكارها إلى برامج حزبٍ كبير ثم تخبو، كما جرى للشعبويين والاشتراكيين حين تسرّبت مطالبهم إلى «الصفقة الجديدة» عند روزفلت.

تغيير من الداخل

ولأن الباب الخارجي موصَد، فليس هناك فرصة سوى أن تتسرّب طاقة التغيير من الداخل، عبر الانتخابات التمهيدية، حيث يتقاتل الحزب على هويّته قبل أن يواجه خصمه. وهنا تكتمل المفارقة؛ ففي الوقت الذي تراجع فيه ماسك وعاد يموّل الحزب الكبير من خارجه، انتزع التقدّمي عبد الرحمن السيّد ترشيح الحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ عن ميشيغان، بعد حملةٍ هزّت جناح الحزب القديم من داخله. ليتضح أن معركة التغيير تُخاض داخل الأحزاب قبل أن تُخاض بينها.

غير أن الإنصاف يقتضي ألا نُغلق الباب أمام التغيير بـ «لا» قاطعة؛ فثمة تحولات تتشكل وإن كان مسارها بطيئاً. يتجلى ذلك في ولاية ألاسكا، حيث يتجاوز الناخبون المستقلون غير المنتمين لأيٍّ من الحزبين الكبيرين 60%. مع استخدام آلية تعرف باسم «الاقتراع بالأفضلية المُرتبة»، (مطبقة في ولاية ماين كذلك) والتي يرتّب فيها الناخب المرشحين وفق تسلسل تفضيله بدلاً من اختيار اسم واحد؛ ما يُسقط معضلة «إفساد الأصوات» ويُحرر الناخب من خوف «تبديد صوته»، فيستطيع دعم مرشحه الأقرب دون أن يخشى منح الفوز غير المباشر للمرشح الأبعد عن توجهاته.

وتُعد هذه الممارسة التطبيقية في الولايتين النموذج الذي يمكن، في النهاية، أن يلعب دوراً حقيقياً في تغيير قواعد اللعبة الانتخابية وإعادة تشكيل المشهد السياسي، رغم المقاومة التي تواجهها الآلية، والتي تدخل إحدى معاركها المصيرية في الثالث من نوفمبر المقبل؛ فناخبو ألاسكا سيصوّتون على مبادرةٍ تُلغي “الاقتراع بالأفضلية المرتّبة” وتعيد الانتخابات التقليدية، بعد أن أسقطوا محاولة إلغاءٍ مماثلة عام 2024 بفارق 737 صوتاً من نحو 321 ألفاً.

تكشف تجربة المبادرات المستقلة لإنشاء “حزب ثالث” جديد في أمريكا، أن الأزمة ليست في واقعية الطرح، بل في صرامة الهندسة المؤسسية التي تحمي الثنائية الحزبية. فالحزب الثالث لن يفرضه مال ثريّ، ولا شهرة شخصية وتأثيرها، بقدر ما يصنعه تحول تدريجي في قواعد اللعبة الانتخابية نفسها، (تطبيقات الاقتراع بالأفضلية المُرتبة مثالاً). وحتى يتحقق هذا التغيير الهيكلي، سيبقى الخيار الأكثر واقعية لكل طاقة تمرد سياسي هو خوض المعركة من داخل «الخيمتين الكبيرتين»، حيث تتغير هوية الأحزاب واستراتيجياتها.

زر الذهاب إلى الأعلى