الغربان تعرف قبلنا

قصة: د. مسعود عمشوش
كان شفيق الهيتار يؤمن أن الإنسان يستطيع، في عدن، أن يؤجل كل شيء إلا الزواج. أربع سنوات كاملة ظل فيها خطيبًا لشفيقة العقربي، المدرسة التي كانت تشاركه مهنة التعليم، وتشاركه أيضًا ذلك الانتظار الطويل لشقة صغيرة تصرف لهما وزارة الإسكان إياها أسوة بزملائهما من المدرسين والموظفين.
أربع سنوات وهما يرددان الجملة نفسها:
ـ عندما تصرف لنا الوزارة الشقة نتزوج.
لكن الوزارة كانت تعرف كيف تجعل الانتظار مهنة أخرى غير التعليم.
وفي أواخر عام 1985، بدأ شفيق يكتشف أن الشقة التي ينتظرها قد تكون أبعد من الزواج نفسه. كان كلما راجع مكتب الإسكان قيل له:
ـ اصبر يا أستاذ شفيق.
وحين كان يسأل: إلى متى؟
كان الجواب يتغير، لكن معناه لا يتغير:
ـ قريبًا.
وفي تلك الأيام لم يكن شيء في عدن يأتي في موعده. لا الشقة. ولا الاطمئنان. ولا حتى الأخبار.
كان فندق التلال في كريتر، خلف سينما هريكن سابقًا، يقف كأنه شاهد عجوز على زمن انقضى ولم يغادر تمامًا. مبنى قديم تتداخل في جدرانه رائحة الرطوبة بالملح وبقايا حكايات المسافرين. وكان شفيق يسكن إحدى غرفه. غرفة واحدة. سرير وخزانة ونافذة صغيرة تطل على جزء من المدينة.
قالت له شفيقة ذات مساء:
ـ وهل ستظل هذه الغرفة غرفة أعزب ? وإلى متى؟
نظر إليها شفيق وضحك.
ـ حتى تصرف لنا وزارة الإسكان شقتنا.
قالت: وإذا لم تصف؟
سكت. ثم قال: نحول هذه الغرفة إلى شقة.
ضحكت شفيقة.
ـ شقة؟ هذه؟
ـ ولمَ لا؟
ـ وأين الصالة؟
أشار إلى السرير.
ـ هذه الصالة.
ـ والمطبخ؟
أشار إلى الركن الصغير.
ـ هنا.
ـ وغرفة النوم؟
أشار إلى السرير نفسه.
فضحكت حتى دمعت عيناها.
لم تكن تعرف يومها أن تلك الغرفة الصغيرة ستصبح بيتهما بالفعل.
في تلك الفترة كان شيء ما يتغير في عدن. لم يكن أحد يستطيع أن يسميه بوضوح. المدينة تبدو طبيعية، لكنها لم تعد طبيعية تمامًا. الناس يتحدثون في المقاهي بصوت منخفض، ثم يتوقفون فجأة عندما يقترب شخص غريب. بعض الموظفين صاروا يطيلون النظر في وجوه زملائهم. بعض الرجال الذين اعتادوا الحديث عن السياسة بلا حذر صاروا يكتفون بعبارات عامة، ثم يلتفتون خلفهم. وكانت الشائعات أسرع من السيارات.
يقال إن خلافًا كبيرًا وقع. ويقال إن قيادات اختلفت. ويقال إن جماعة تستعد لجماعة. ويقال إن شيئًا سيحدث. لكن ماذا؟ لا أحد يعرف. وكان شفيق كلما عاد من المدرسة يقول لشفيقة:
ـ الناس يخوفون بعضهم بعضًا.
فتجيبه ـ وأنا أخاف من الذين يقولون: لا تخافوا.
وفي أحد أيام ديسمبر، اتخذ شفيق قراره. باع بعض أثاثه القديم، واستدان مبلغًا صغيرًا من أحد زملائه، واشترى فراشًا جديدًا وستارة وموقدًا صغيرًا وبعض الأواني. ثم أخذ يعمل في الغرفة. كان يدهن جزءًا من الجدار بيده، ويصلح النافذة، ويثبت رفًا خشبيًا. جاءته شفيقة ذات عصر، فوجدته واقفًا فوق كرسي يحاول تثبيت مصباح.
قالت: أنت مجنون.
قال: ـ لماذا؟
ـ لأنك تحول غرفة فندق إلى بيت.
أجابها وهو يواصل عمله: ـ البيت ليس الجدران.
نظرت إليه طويلًا. ثم قالت: وما هو؟
ابتسم. ـ أن تكوني أنتِ فيه.
لم تجبه. لكنها في المساء عادت إليه ومعها قطعة قماش اشترتها لتكون ستارة للنافذة.
كان شفيق يحضر الأكل أحيانًا من مطعم ومقهى زمزم في الأسفل، عند مدخل الخساف. كان (زمزم) أكثر من مطعم بالنسبة إلى أبناء حضرموت والمسافرين؛ كان مكانًا تتجمع فيه الوجوه والقصص والروائح القادمة من أحياء عدن وموانئها وطرقاتها. طلب شفيق ذات مساء صحنًا من القلابة.
قالت شفيقة: ألم تقل إنك ستوفر؟
ـ أوفر في الأثاث.
ـ وفي الطعام؟
ـ الطعام لا ينتظر.
في انتظار (القلابة) جلس شفيق بالقرب من طاولة يجلس عندها ثلاثة رجال يتحدثون بصوت منخفض. لم يكن شفيق يسمع كلامهم كله، لكنه التقط كلمات متفرقة: القيادة الرفاق الجيش هذه المرة..
في التلال حكى شفيق لشفيقة ما سمع وقالت: ماذا يقولون بالضبط؟
ـ لا شيء.
ـ أنت لم تسمع؟
ـ سمعت.
ـ وماذا فهمت؟
تناول لقمة من (القلابة) وقال:
ـ فهمت أننا تأخرنا في طلب الطعام.
ابتسمت، لكن ابتسامتها لم تكن كاملة.
وكانت هناك شجرة قرب الفندق. شجرة لا يعرف أحد اسمها، لكنها كانت معروفة بالغربان. كانت الغربان قليلة في البداية، ثم أخذت تتجمع عليها في أوقات غريبة، خصوصًا قبيل المغرب. قال شفيق ذات يوم:
ـ هذه الغربان تعرف شيئًا.
قالت شفيقة: ـ لا تبدأ خرافاتك.
ـ أقول لكِ، إنها لا تجتمع هكذا عبثًا.
ـ أنت مدرس، لا عجوز من عجائز الحارة.
ـ والمدرس يلاحظ.
ضحكت. لكنها، منذ ذلك اليوم، صارت تنظر إلى الشجرة كلما مرت بها.
وكانت الغربان تصنع ضجيجًا أسود فوق أغصانها، ثم تسكت فجأة.
فيقول شفيق ـ شفتِ؟
فتجيبه ـ شفت أنك تخاف من الغربان.
… وكانت المدينة تستعد لزواجهما. لم يكن زواجًا فخمًا، لكنه كان بالنسبة إليهما احتفالًا بانتهاء أربع سنوات من الانتظار. قررا أن يتم الزواج في الثاني عشر من يناير 1986. في الثاني عشر.
قالت شفيقة: ـ لماذا لا نؤجله أسبوعًا؟
رفع شفيق رأسه بسرعة.
ـ لماذا؟
ـ لا أدري.
ـ منذ أربع سنوات وأنتِ تنتظرين.
ـ صحيح.
ـ والآن تريدين أسبوعًا؟
سكتت. ثم قالت: ـ المدينة ليست مطمئنة.
اقترب منها.
ـ المدينة لم تكن مطمئنة منذ عرفنا بعضنا.
ـ لكن هذه المرة مختلفة.
لم يجب. فقد كان يشعر بذلك أيضًا.
في صباح الثاني عشر من يناير بدت عدن كأنها تحاول أن تقنع نفسها بأنها بخير.
خرج شفيق مبكرًا. مرّ من جوار الشجرة. كانت الغربان كثيرة. توقف. رفع رأسه إليها.
ثم قال- الله يستر.
ومضى. في الطريق التقى أحد زملائه. قال له:
ـ لا تنسَ أن تمر على زمزم.
ـ لماذا؟
ـ العرس يحتاج إلى أكل.
ضحك شفيق. لكن زميله لم يضحك. قال:
ـ وانتبهوا لأنفسكم.
توقف شفيق.
ـ من ماذا؟
نظر الرجل حوله.
ـ من لا شيء.
ثم مضى.
في المساء، أقيمت مراسيم الزواج في قاعة أماسي بساحل أبين. كانت القاعة مليئة بالنساء والرجال والأقارب وصديقات شفيقة. فستان شفيقة يلمع تحت الضوء. وشفيق يرتدي ملابسه الجديدة التي ظل يحتفظ بها للمناسبة. كانت النساء يضحكن، والأطفال يركضون، والأغاني تتردد في القاعة. وكان هناك شيء غريب. كلما ارتفع صوت الموسيقى، بدا كأن الجميع يريد أن يغطي به على صوت آخر بعيد. صوت لا يسمعه أحد.
أو لا يريد أحد أن يسمعه.
اقترب أحد الرجال من شفيق وقال:
ـ مبروك يا أستاذ.
ـ الله يبارك فيك.
ثم أضاف الرجل:
ـ أخيرًا صار عندك بيت.
نظر شفيق إليه. وقال:
ـ غرفة.
فضحك الرجل.
ـ من اليوم غرفة، وبعدها قصر.
لم يعرف شفيق لماذا شعر بالقشعريرة.
قصر؟
كان يريد فقط أن تستمر تلك الغرفة. أن تبقى. ألا يحدث شيء.
بعد انتهاء المراسيم، عاد شفيق وشفيقة إلى كريتر. كان الليل قد تمدد فوق المدينة. وعندما وصلا إلى فندق التلال، وجد شفيق شيئًا غريبًا. بعض النوافذ مضاءة. وأخرى مظلمة. وكانت المدينة أقل حركة من المعتاد.
قالت شفيقة: أين الناس؟
ـ في بيوتهم.
ـ عدن لا تنام هكذا.
لم يجب. وصعدا. وفي الغرفة، أشعل شفيق المصباح. نظرت شفيقة حولها. تمعنت في السرير. الستارة الجديدة. الموقد. الكوبان. الحقيبة. كل شيء صغير. كل شيء متواضع. الحمد لله على كل حال.
وقالت باريتاح- شقتنا! بيتنا!
ابتسم شفيق.
ـ بيتنا. نعم بيتنا.
جلسا. لم يتحدثا طويلاً. كان التعب أكبر من الكلام. وبعد دقائق سمعا صوتًا بعيدًا. لم يكن واضحًا. شيء يشبه ارتطامًا مكتومًا. رفعت شفيقة رأسها.
ـ ماذا كان هذا؟
ـ سيارة.
ثم جاء صوت آخر. هذه المرة بدا أقرب.
قالت ـ ليست سيارة.
نهض شفيق واتجه إلى النافذة. فتح الستارة قليلًا. كانت كريتر تحت الليل. مبانيها صامتة. وشوارعها شبه خالية. وفي الشجرة القريبة كانت الغربان تتحرك.
قالت شفيقة من خلفه – هل هي هناك؟
ـ من؟
ـ الغربان.
لم يلتفت.
ـ نعم.
ـ كم واحدة؟
عدّها بعينيه. ثم قال:
ـ كثيرة.
سكتت. ثم قالت:
ـ أغلِق النافذة.
أغلقها.
في الساعات الأولى من فجر الثالث عشر من يناير، لم يكن شفيق يعرف أن زواجه الذي احتفل به قبل ساعات قليلة سيصبح آخر ليلة هادئة في حياته الجديدة. كان يظن أن أصعب ما في الزواج هو الحصول على شقة.
لم يكن يعرف أن عليه الآن أن يحافظ على شقته. وعلى زوجته. وعلى حياته. وعلى المدينة كلها.
في الصباح، بدأت الأخبار تتسرب. إطلاق نار. اجتماع. قيادات. قتلى. ثم لم تعد الكلمات تكفي. تحولت عدن إلى أصوات. طلقات. سيارات. أبواب تغلق. أناس يركضون. وإذاعة تتحدث. وأخبار تتناقض. كان شفيق واقفًا في غرفته الصغيرة حين سمع شفيقة تقول:
ـ شفيق!
ـ نعم؟
ـ لا تخرج.
لم يجب.
ـ شفيق، قلت لك لا تخرج.
نظر إلى الباب. ثم إلى النافذة. ثم إلى الغرفة. الغرفة التي ظل ينتظرها أربع سنوات. الغرفة التي حوّلها بيديه إلى بيت. الغرفة التي دخلتها شفيقة عروسًا قبل ساعات.
قال – لن أخرج.
مرت الأيام التالية ثقيلة. لم تعد عدن هي عدن التي عرفاها في الليلة السابقة. تحولت الاشتباكات إلى حرب مفتوحة، وامتدت المواجهات أيامًا، وسقط الآلاف من القادة والكوادر والعسكريين والمدنيين، فيما غادر كثيرون المدينة أو نزحوا عنها. أما شفيق فلم يكن يعرف شيئًا عن كل ذلك إلا بمقدار ما يصل إليه من أصوات الإذاعة، ومن همسات الجيران، ومن الوجوه التي تمر مسرعة في الممر.
وفي أحد الأيام نفد الطعام. قالت شفيقة:
ـ هل تستطيع الذهاب إلى زمزم؟
نظر إليها. كان السؤال يبدو بسيطًا. لكن زمزم لم يعد قريبًا كما كان.
قال – سأحاول.
خرج. كانت كريتر مختلفة. واجهات المحلات مغلقة. الشوارع أقل ازدحامًا. والخوف صار له شكل. عاد بعد وقت طويل يحمل كيسًا صغيرًا.
فتحت شفيقة الكيس.
قالت – هذا كل شيء؟
ـ هذا ما استطعت أن أجد.
ثم ابتسم – وفيه قلابة.
نظرت إليه. ولأول مرة منذ أيام ضحكت.
قالت ـ كنت أعرف أنك لن تنسَ القلابة.
في المساء جلسا قرب النافذة. لم يفتحاها. كان الهواء يدخل من شق صغير بين إطارها والجدار.
قالت شفيقة ـ هل تذكر ليلة الزواج؟
قال – قبل يومين فقط.
ـ أشعر أنها منذ سنوات.
سكت. ثم قالت – كنت أريد أن أقول لك شيئًا.
ـ ماذا؟
ـ لو أننا انتظرنا الشقة التي وعدتنا بها الوزارة، لما تزوجنا.
ابتسم.
ـ الحمد لله أننا لم ننتظر.
ـ لا.
نظرت إليه.
ـ الحمد لله أننا تزوجنا قبل يوم.
التفت إليها. ولم يفهم في البداية. ثم فهم.
كانت تقول إنهما، في ليلة واحدة، انتزعا من المدينة لحظة حياة قبل أن تغلق المدينة أبوابها.
بعد أيام، حين هدأ الرصاص قليلًا، خرج شفيق إلى الشارع. وقف أمام الشجرة. كانت الغربان لا تزال هناك. لكنها أقل عددًا. نظر إليها طويلًا.
ثم قال – كنتِ تعرفين.
لم تكن هناك شفيقة لتسمعه. كانت تنتظره في الغرفة. عاد إليها. فتح الباب. وجدها ترتب الفراش.
قالت – ماذا كنت تفعل؟
ـ كنت عند الغربان.
ـ وهل أخبرتك بما حدث؟
هز رأسه.
ـ لا.
ثم أضاف – يبدو أنها كانت تعرف ما سيحدث، لكنها لم تعرف ما سيحدث لنا.
اقتربت منه. قالت – وماذا سيحدث لنا؟
نظر إلى الغرفة. إلى الستارة. إلى الموقد. إلى السرير. ثم إليها. وقال:
ـ سنبقى.
… ولسنوات طويلة بعد ذلك، كلما مر شفيق من كريتر، كان يتذكر الثاني عشر من يناير قبل الثالث عشر. يتذكر قاعة أماسي المضيئة. ضحكات النساء. صديقات شفيقة. فستان العروس. مطعم زمزم. القلابة. غرفة فندق التلال التي تحولت إلى بيت. والغربان. كثيرة فوق الشجرة.
وكان يتساءل أحيانًا: هل كانت الغربان تعرف حقًا؟ أم أن الإنسان، بعد أن يعرف المصيبة، يعود إلى الأشياء القديمة ويمنحها قدرة لم تكن لها؟
لكنه لم يكن يجد جوابًا. وكان يعرف شيئًا واحدًا فقط: أن شفيقة دخلت تلك الغرفة في الثاني عشر من يناير عروسًا. وأن عدن دخلت في اليوم التالي حربها. وأنهما، وسط مدينة كانت تتشقق من الداخل، حاولا أن يصنعا شيئًا صغيرًا لا تستطيع الحرب أن تهدمه: بيتًا. وزواجًا. وحياة.
ولعل الغربان، في النهاية، لم تكن تنذر بالموت. ربما كانت فقط تعرف أن المدينة على وشك أن تفقد شيئًا من روحها. أما شفيق وشفيقة، فقد كانا قد سرقا منها، قبل أن يحدث ذلك، ليلة واحدة كاملة من الفرح.