الرئيسيةتقارير وحوارات

في ظل تجاهل وصمت سلطات الوصاية والاحتلال في الجنوب: أزمة الغاز المنزلي في العاصمة عدن.. معاناة مستمرة تفاقم معيشة المواطن

كريترنيوز/ تقرير /منير النقيب

 

تعيش العاصمة عدن واحدة من أكثر مراحلها صعوبة على المستوى الخدمي والمعيشي، في ظل استمرار أزمات متلاحقة تمس الاحتياجات الأساسية للمواطنين، وفي مقدمتها أزمة الغاز المنزلي التي تحولت خلال الثمانية الاشهر الأخيرة تحديدا منذ يناير مطلع العام الجاري إلى معاناة يومية تثقل كاهل الأسر وتضاعف الأعباء الاقتصادية على المواطنين.

وتأتي أزمة الغاز في وقت يعاني فيه سكان العاصمة عدن أصلًا من تدهور حاد في عدد من الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، إلى جانب تأخر صرف المرتبات، وارتفاع أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية، وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، الأمر الذي جعل الحصول على أسطوانة الغاز أو وقود السيارات تحديًا إضافيًا يواجهه المواطن بصورة مستمرة.

أزمة تتسع.. والمواطن يدفع الثمن:

لم تعد أزمة الغاز المنزلي في العاصمة عدن مجرد اختناق مؤقت في عملية التوزيع، بل باتت بالنسبة لكثير من الأسر أزمة معيشية متكررة، نتيجة صعوبة الحصول على الغاز وارتفاع كلفة توفيره، فضلًا عن مظاهر الازدحام والانتظار أمام نقاط ومحطات البيع.

ويجد المواطن نفسه مضطرًا إلى البحث عن أسطوانة الغاز من منطقة إلى أخرى، وقضاء ساعات طويلة في محاولة الحصول عليها، بينما تضطر بعض الأسر إلى شراء الغاز بأسعار تفوق قدرتها، في ظل غياب آلية واضحة ومستقرة تضمن وصول الكميات المخصصة للمواطنين بصورة عادلة ومنتظمة.

وتزداد وطأة الأزمة على الأسر محدودة الدخل، التي لا تستطيع تحمل أي زيادة إضافية في تكاليف المعيشة، خصوصًا في ظل ثبات المرتبات عند مستويات لا تتناسب مع الارتفاع المستمر في أسعار السلع والخدمات.
فالغاز بالنسبة للمواطن ليس سلعة ترفيهية يمكن الاستغناء عنها، وإنما حاجة أساسية ترتبط مباشرة بالطهي وإعداد الطعام والحياة اليومية للأسرة، وبالتالي فإن اضطراب توفره ينعكس بصورة مباشرة على الأمن المعيشي للمواطنين.

غاز السيارات.. أزمة أخرى تضرب الحركة والنقل:

ولا تقتصر أزمة الوقود على الغاز المنزلي، إذ يواجه قطاع النقل في العاصمة عدن بدوره صعوبات مرتبطة بتوفر غاز السيارات، الأمر الذي ينعكس على سائقي المركبات ووسائل النقل العام، ومن ثم على المواطنين الذين يعتمدون عليها في تنقلاتهم اليومية.

ويؤدي نقص غاز السيارات إلى زيادة الضغط على محطات التعبئة، وخلق طوابير طويلة، وإهدار ساعات من وقت السائقين، فضلًا عن انعكاس ذلك على تكاليف النقل وأسعار المواصلات.

ومع استمرار الأزمات الخدمية والاقتصادية، يصبح المواطن أمام حلقة متواصلة من المعاناة؛ فالكهرباء متدهورة، والمياه تعاني من الاختلالات، والمرتبات لا تواكب تكاليف الحياة، والأسعار في ارتفاع، والغاز يعاني من أزمة توفر وتوزيع، بينما لا تبدو في الأفق إجراءات حكومية عاجلة تتناسب مع حجم المشكلة.

صمت سلطات الوصاية يثير التساؤلات:

في مقابل هذه المعاناة اليومية، يبرز ما يصفه المواطنون بأنه تجاهل وصمت من جانب سلطات الأمر الواقع، ممثلة بالحكومة والسلطة المحلية في العاصمة عدن، وعدم تقديم حلول عملية ومستدامة تضع حدًا لأزمة الغاز وتمنع تكرارها.

ويرى المواطنون أن استمرار الأزمة دون إجراءات واضحة يفتح الباب أمام التساؤلات حول أسباب الاختلال في عملية توفير وتوزيع الغاز، والجهات المسؤولة عن إدارة هذا الملف، وآليات الرقابة على الكميات والأسعار، ومدى وصول الحصص المخصصة للمواطنين إلى مستحقيها.
كما يطالب السكان الجهات المعنية بالكشف عن حقيقة الكميات التي تصل إلى العاصمة عدن، وآلية توزيعها، والجهات المستفيدة منها، والإجراءات المتخذة لمنع التلاعب أو الاحتكار أو رفع الأسعار خارج الأطر الرسمية.

فالمشكلة، من وجهة نظر المواطنين، لم تعد مرتبطة فقط بتوفر الغاز من عدمه، وإنما أصبحت مرتبطة أيضًا بغياب الشفافية والرقابة والمساءلة، وعدم وجود استجابة من الجهات الحكومية تتناسب مع أزمة تمس حياة كل أسرة تقريبًا.

: عدن.. أزمات متراكمة تضاعف المعاناة

وتأتي أزمة الغاز ضمن سلسلة طويلة من الأزمات المفتعلة والممنهجة في إطار الأزمات التي تشهدها العاصمة عدن، حيث أصبحت الخدمات الأساسية تشكل مصدر قلق دائم للأسر.
فانقطاع الكهرباء وما يرافقه من تداعيات على حياة المواطنين، ومشكلات المياه، وارتفاع أسعار المواد الغذائية، وتدهور قيمة العملة، وتأخر المرتبات، إلى جانب أزمة الغاز، كلها عوامل اجتمعت لتضع المواطن أمام واقع معيشي بالغ الصعوبة.

ويرى مواطنون أن استمرار هذه الأزمات بصورة متزامنة جعل الحياة اليومية في عدن أكثر قسوة، خصوصًا بالنسبة للموظفين وأصحاب الدخل المحدود والعمال وسائقي المركبات وأصحاب المهن الصغيرة.

وفي ظل هذه الظروف، أصبحت الأسرة مطالبة بتدبير احتياجات أساسية متعددة بمرتب أو دخل لا يكاد يغطي الحد الأدنى من متطلبات الحياة.

نفوذ خارجية تتعمد إغراق عدن في الأزمات:

أن ما تشهده المدينة من أزمات خدمية متكررة لا يمكن فصلها، عن الصراع السياسي والنفوذ الذي تمارسه قوى نافذة تتبع المملكة العربية السعودية داخل حكومة الوصاية من خلال تدخلات وتوجيهات سعودية تؤثر في القرار والخدمات في العاصمة عدن ومحافظات الجنوب.

كما أن استمرار أزمات الكهرباء والمياه والغاز والمرتبات وارتفاع الأسعار يندرج ضمن مسار أوسع من الضغط على العاصمة عدن، ومحاولة إبقاء المواطنين في حالة استنزاف معيشي دائم، بما يخدم أجندات سياسية تمارسها السعودية على حساب الاستقرار والخدمات وحياة الناس في العاصمة عدن ومحافظات الجنوب.

المواطن ضحية حرب الخدمات:

 

وبعيدًا عن الحسابات السياسية، وحرب الخدمات الممنهجة والموجهه يبقى المواطن هو الطرف الأكثر تضررًا من استمرار الأزمات.

فالمواطن في عدن لا يبحث عن صراع سياسي، ولا يريد الدخول في سجالات القوى والنفوذ، الخارجية وإنما يريد أن يعيش حياة طبيعية، على أرضه ووطنه ويحصل خلالها على الكهرباء والمياه والغاز والراتب، ويتمكن من شراء احتياجات أسرته بأسعار تتناسب مع دخله.
لكن الواقع الحالي يدفع المواطنين إلى مواجهة أزمات متلاحقة تستنزف دخلهم ووقتهم وطاقتهم، وتحول أبسط متطلبات الحياة إلى رحلة شاقة.
ويقول مواطنون إن الحصول على أسطوانة الغاز أصبح بالنسبة للبعض معركة يومية، فيما أصبح البحث عن غاز السيارات عبئًا إضافيًا على السائقين، الأمر الذي ينعكس في النهاية على حركة النقل وأسعار المواصلات وكلفة السلع والخدمات.

كشف أسباب الأزمة:

وتتطلب أزمة الغاز في العاصمة عدن، وفق مطالب المواطنين، تدخلًا حكوميًا ومحليًا عاجلًا، يبدأ بالكشف بشفافية عن أسباب الأزمة والكميات المتوفرة، ووضع آلية واضحة وعادلة لتوزيع الغاز المنزلي وغاز السيارات.
كما تتطلب الأزمة تشديد الرقابة على محطات البيع ونقاط التوزيع، ومنع الاحتكار والمضاربة ورفع الأسعار بصورة غير قانونية، ومحاسبة أي جهة يثبت تورطها في التلاعب بحصة المواطنين أو استغلال الأزمة لتحقيق مكاسب غير مشروعة.
ويطالب المواطنون كذلك بوضع خطة طوارئ تضمن استمرار تدفق الغاز إلى العاصمة بصورة منتظمة، وعدم ترك السوق عرضة للاختناقات المتكررة التي سرعان ما تتحول إلى أزمة معيشية واسعة.

أزمات الخدمات ملف العقاب الجماعي:

إن أزمة الغاز لا يمكن التعامل معها باعتبارها مشكلة منفصلة عن بقية الأوضاع في العاصمة عدن، بل هي جزء من منظومة خدمية واقتصادية متدهورة تحتاج إلى معالجة شاملة.

فاستمرار انقطاع الكهرباء، وتراجع خدمات المياه، وأزمة الغاز، المنزلي وتأخر المرتبات، وارتفاع الأسعار، وتدهور القدرة الشرائية، كلها مؤشرات تؤكد أن المواطن يعيش ضغوطًا معيشية متراكمة تتطلب قرارات عاجلة، وليس بيانات أو وعودًا مؤجلة.

كما أن تجاهل شكاوى المواطنين أو التعامل مع الأزمات بسياسة الترحيل من أسبوع إلى آخر لن يؤدي إلا إلى زيادة الاحتقان الشعبي وتوسيع الفجوة بين المواطنين وسلطات الوصاية السعودية المسؤولة عن إدارة العاصمة.

عدن بحاجة إلى حلول:

وفي نهاية المطاف، فإن سكان العاصمة عدن لا يطالبون بأكثر من حقوقهم الأساسية في الحياة الكريمة والخدمات المستقرة.

فالغاز المنزلي ليس مطلبًا سياسيًا، والكهرباء ليست قضية حزبية، والمياه ليست ترفًا، والراتب ليس منحة، وإنما جميعها حقوق واحتياجات أساسية ترتبط مباشرة بحياة المواطن وأسرته.
وأمام استمرار أزمة الغاز المنزلي وغاز السيارات، تبرز مسؤولية حكومة الوصاية السعودية وأدواتها المحلية في العاصمة عدن بصورة واضحة، باعتبارهما الجهتين المعنيتين بالعمل على معالجة الاختلالات الخدمية وحماية المواطنين من الاستغلال.
أما استمرار الصمت، في ظل تفاقم المعاناة، فإنه يترك الباب مفتوحًا أمام مزيد من التساؤلات حول حقيقة ما يجري، والجهات المستفيدة من استمرار الأزمات، وما إذا كانت معاناة المواطنين أصبحت جزءًا من صراع النفوذ والحسابات السياسية.
وفي ظل تصاعد الاتهامات الشعبية والسياسية بشأن الدور النفوذ والوصاية السعودية” على القرار والخدمات في عدن ومحافظات الجنوب، تبقى الحاجة قائمة إلى كشف الحقائق أمام المواطنين، بدل تركهم أسرى للشائعات والتفسيرات المتضاربة.
فعدن اليوم لا تحتاج إلى إدارة أزماتها فقط، بل تحتاج إلى إرادة حقيقية لإنهائها، وإلى قرارات مسؤولة تضع حياة المواطنين واحتياجاتهم الأساسية فوق الحسابات السياسية والصراعات والنفوذ، وتعيد للخدمات العامة دورها الطبيعي باعتبارها حقًا أصيلًا للمواطن وليست ورقة تستخدم في الصراع السياسي.

زر الذهاب إلى الأعلى