آداب وفنون

طفرات جينية..!

كتب: د. مسعود عمشوش

كان صباح سيئون هادئًا على غير عادته. الشمس لم تكن قد ارتفعت كثيرًا فوق رؤوس النخيل، والهواء القادم من جهة البساتين يحمل رائحة طينٍ مبتلٍّ بماء السواقي. في الحوش الريفي الصغير الواقع عند أطراف المدينة، جلس عبد الرحمن على عتبة الباب، ثم نهض، ثم عاد فجلس، وكأن الأرض نفسها لم تعد تمنحه مكانًا يستقر فيه.
لم ينم البارحة.
كان وجه حفيده الجديد، أسامة، يلحّ عليه كلما أغمض عينيه.
أسامة شديد السمرة.
سمرة لا تشبه أحدًا من أفراد الأسرة الذين يعرفهم عبد الرحمن، ولا سيما أباه شيخ وأمه سلوى. أما سمية، أخته التي تكبره، فكانت حكاية أخرى تمامًا؛ بشرتها فاتحة، وحاجباها عريضان، وعيناها ضيقتان، وملامح وجهها تحمل شيئًا غريبًا لا يستطيع عبد الرحمن أن يضع له اسمًا.
كان ينظر إلى حفيديه فيشعر كأنهما جاءا من بيتين مختلفين، لا من بطن أم واحدة وأب واحد.
والأغرب أن لا أحد منهما يشبه أمه سلوى.
أما شيخ، فكان يشبه أباه عبد الرحمن إلى حد بعيد: الوجه المستطيل، الأنف المستقيم، والبشرة التي تميل إلى السمرة الخفيفة.
لكن سلوى الأم…
كانت سلوى قصة أخرى.
منذ أن كانت طفلة، وهي محط أنظار النساء في الحي. كانت شديدة البياض، واسعة العينين، ذات شعر أسود كثيف، وحين بلغت السابعة قالت شفاء، زوجة عبد الرحمن:
ــ هذه البنت لشيخ.
ضحكت النساء يومها، لكن شفاء لم تكن تمزح.
كانت قد اختارت زوجة ابنها منذ أن كانت سلوى طفلة، وظلت تردد أمام أمها مهاني:
ــ إن كبرت، فلن تكون لغير شيخ.
وحين بلغت سلوى العاشرة، ضغطت شفاء على عبد الرحمن حتى ذهب إلى أهلها وحجزها لابنه.
تردد عبد الرحمن في البداية.
قال لها:
ــ يا شفاء، الناس تغيّروا. وهذا الأمر لم يعد معمولًا به كما كان.
فأجابته بحزم:
ــ أنت لا تعرف ما أعرفه أنا. هذه البنت ستصبح أجمل نساء سيئون.
ولم تهدأ حتى تمت الخطبة.
كبرت سلوى، وكبرت معها شهرتها بجمالها. وحين جاء وقت الزواج، كانت شفاء تنظر إليها كلما دخلت بيتها وتقول في سرها: لقد أحسنت الاختيار.
ولهذا، ربما، كان لون أسامة يزعجها أكثر مما ينبغي.
**
في ذلك الصباح، خرج عبد الرحمن من الحوش ومشى خطوات قليلة نحو الطريق الترابي.
وفي تلك اللحظة مرّ سلمان خلب، يسوق قطيعًا صغيرًا من الغنم والماعز.
كان القطيع يتحرك ببطء، والغبار الخفيف يتصاعد تحت حوافره.
لفت نظر عبد الرحمن ثلاث رخال صغيرة كانت تسير متقاربة؛ واحدة بيضاء تمامًا، والثانية سوداء كسواد الليل، والثالثة بيضاء إلا من رأسها وأرجلها السوداء.
ابتسم عبد الرحمن للمشهد، ثم نادى:
ــ يا سلمان!
توقف سلمان.
ــ نعم يا عم عبد الرحمن؟
أشار إلى الرخلة البيضاء.
ــ هذه بنت أية ضأنة؟
ضحك سلمان وقال:
ــ من الضانة البيضاء التي تمشي أمام القطيع.
أشار عبد الرحمن إلى الرخلة السوداء.
ــ وهذه؟
ــ أختها.
ــ أختها؟!
ــ نعم.
ثم أشار إلى الرخلة الثالثة.
ــ وهذه أيضًا أختها؟
ــ كلهن أخوات. كلهن بنات الضانة نفسها.
ظل عبد الرحمن صامتًا.
نظر إلى الرخال الثلاث، ثم إلى أمهن البيضاء، ثم قال كأنه يحدث نفسه:
ــ سبحان الله…
قال سلمان:
ــ مالك يا عم عبد الرحمن؟
هز رأسه.
ــ لا شيء. امشِ أنت بغنمك.
وظل واقفًا يتابع القطيع حتى ابتعد.
كان في داخله سؤال واحد:
إذا كانت ثلاث رخال من أم واحدة يمكن أن تختلف ألوانها إلى هذا الحد، فلماذا لا يختلف الأبناء؟
لكنه سرعان ما تراجع عن الفكرة.
الغنم غنم… والبشر بشر.
وعندما عاد إلى البيت، وجد شفاء ترتب بعض الأواني في المطبخ.
قال لها:
ــ تعرفين ماذا رأيت؟
ــ ماذا؟
حكى لها قصة الرخال الثلاث.
ضحكت شفاء قليلًا، ثم قالت:
ــ يا عبد الرحمن، هناك فرق بين الغنم والبشر.
سكت لحظة، ثم قال:
ــ صحيح… لكن العجيب أن الأمر نفسه يحدث أحيانًا بين البشر.
رفعت رأسها إليه.
ــ ماذا تقصد؟
تردد، ثم قال:
ــ سمية وأسامة.
فهمت شفاء ما يريد.
قطبت جبينها وقالت:
ــ لا لون سمية يعجبني، ولا لون أسامة. لكن الحمد لله على كل حال. الذي يجيبه الله زين.
**
لم يكن عبد الرحمن يعرف أن في بيت سلوى سرًا قديمًا، ليس سرًا بمعنى الخطيئة أو العيب، وإنما سر من أسرار الدم التي لا يراها الناس إلا إذا ظهرت فجأة على وجه طفل.
كانت مهاني، أم سلوى، قد عاشت سنوات من شبابها في جاوة قبل أن تعود إلى سيئون وتتزوج.
وكانت لا تزال، حتى بعد عقود، تتحدث العربية بلكنة جاوية خفيفة.
وكانت لها ملامح مختلفة عن نساء الأسرة؛ عينان ضيقتان نسبيًا، ووجنتان بارزتان، وشعر أسود شديد النعومة.
وكانت سلوى نفسها تحمل بعض هذه الصفات، لكن بياض بشرتها وملامحها السيئونية غلبت عليها، فلم ينتبه أحد إلى ما ورثته من أمها إلا في تفاصيل صغيرة.
أما سمية، فقد أعادت تلك التفاصيل إلى الواجهة دفعة واحدة.
حين ولدت، كانت عيناها ضيقتين وحاجباها عريضين، حتى إن إحدى نساء الحي قالت يومها:
ــ هذه البنت فيها شيء من مهاني.
ضحكت سلوى.
أما شفاء فلم تعر الأمر اهتمامًا.
كانت تقول:
ــ الأطفال يتغيرون. انتظروا حتى تكبر.
لكن سمية لم تتغير كثيرًا.
كلما كبرت، برزت في وجهها ملامح لم تكن شفاء تفهم مصدرها.
ذات يوم جاءت مهاني لزيارة ابنتها، وكانت سمية في الخامسة من عمرها تلعب في فناء البيت.
نظرَت إليها طويلًا، ثم ابتسمت وقالت:
ــ هذه بنتي!
ضحكت سلوى:
ــ بنتي أنا يا أمي.
فقالت مهاني:
ــ بنتك، لكن فيها مني.
كان عبد الرحمن حاضرًا يومها، لكنه لم يهتم كثيرًا.
الآن فقط تذكر تلك الجملة.

أما أسامة، فقد جاء بعد سنوات.
وكانت ولادته مختلفة عن ولادة أخته.
حين أخرجته القابلة من غرفة الولادة، ساد صمت قصير.
قالت إحدى النساء:
ــ ما شاء الله…
وقالت أخرى:
ــ أسود مثل الليل!
ابتسمت سلوى، ومدت ذراعيها إلى طفلها.
لم ترَ في وجهه إلا ابنها.
أما شفاء فظلت تحدق فيه.
كانت تنتظر أن يتغير لونه خلال الأيام الأولى، لكن أسامة ظل شديد السمرة.
وحين جاء شيخ، حمل طفله وضمه إلى صدره.
قالت شفاء:
ــ عجيب.
فنظر إليها شيخ مستغربًا:
ــ ما العجيب؟
ــ لا شيء.
ثم خرجت من الغرفة.
في تلك الليلة، بقيت سلوى وحدها مع طفلها.
كانت تتأمل وجهه الصغير وتقول:
ــ من أين جئت بكل هذه السمرة يا أسامة؟
ثم ضحكت.
ــ يبدو أنك أخذت نصيبك من جدودك كلهم.

بعد أسابيع، حدث شيء جعل عبد الرحمن يعيد التفكير في الأمر كله.
كان جالسًا مع حفيديه في الحوش.
سمية كانت تحمل دمية صغيرة، وأسامة نائم في حجر أمه.
دخلت مهاني.
اقتربت من أسامة، وحين رأته مكشوف الوجه قالت:
ــ يا سبحان الله!
قال عبد الرحمن:
ــ ماذا؟
قالت:
ــ عينيه.
ــ ماذا بهما؟
اقتربت أكثر.
ــ فيهما شيء من أبي.
ضحك عبد الرحمن:
ــ وأبوك من أين جاء؟
قالت:
ــ من بعيد.
ثم جلست قربه.
بدأت تحكي، كما كانت تفعل أحيانًا، عن عائلتها القديمة في جاوة، وعن جدها الذي كانت له بشرة داكنة جدًا، وعن خال لها كانت عيناه ضيقتين وشعره شديد السواد.
استمع عبد الرحمن صامتًا.
لأول مرة بدأ ينظر إلى العائلة لا باعتبارها سلسلة من الآباء والأبناء فقط، بل كأنها نهر طويل يحمل في مائه أشياء كثيرة، بعضها يظهر في جيل، ثم يختفي في جيل آخر، ثم يعود بعد سنوات.
قال:
ــ يعني أن الصفة قد تختفي ثم تظهر؟
ابتسمت مهاني.
ــ أنا لست عالمة يا عبد الرحمن. لكن الدم عنده حكايات لا نعرفها كلها.
توقف عبد الرحمن عند العبارة.
الدم عنده حكايات لا نعرفها كلها.

في المساء، ذهب عبد الرحمن إلى شيخ.
وجده جالسًا أمام دكانه.
قال له:
ــ يا شيخ، هل تعرف أن سمية لا تشبهك ولا أمها؟
ضحك شيخ.
ــ وأنت منذ متى اكتشفت ذلك؟
ــ منذ ولدت.
ــ وأنا ماذا أفعل؟
ــ لا شيء. لكن أسامة أيضًا مختلف.
سكت شيخ لحظة.
ثم قال:
ــ يا أبي، أليس في عائلتنا كل شيء؟
ــ ماذا تقصد؟
ــ أنت أسمر، وأخوك كان أبيض، وأختي كانت عيناها مختلفتين، وعمتي شعرها ناعم جدًا، وأمي بيضاء، وأبوها كان أسمر.
ابتسم عبد الرحمن.
ــ صحيح.
قال شيخ:
ــ فلماذا تريد أن يكون أبنائي نسخة مني؟
لم يجب عبد الرحمن.
كان السؤال بسيطًا، لكنه أصاب شيئًا عميقًا في داخله.

في تلك الليلة، عاد إلى البيت.
وجد شفاء جالسة قرب النافذة.
قال لها:
ــ أتعرفين ماذا فكرت؟
ــ ماذا؟
ــ ربما نحن نريد من الأبناء أن يكونوا مرايا لنا.
نظرت إليه باستغراب.
تابع:
ــ فإذا خرج الطفل يشبهنا قلنا: هذا ابننا. وإذا جاء بملامح مختلفة بدأنا نبحث عن تفسير.
قالت شفاء:
ــ وما تفسيرك؟
جلس إلى جوارها.
ــ لا أعرف.
ثم ضحك.
ــ لكنني رأيت اليوم ثلاث رخال من أم واحدة: واحدة بيضاء، وأخرى سوداء، وثالثة نصفها أبيض ونصفها أسود.
ضحكت شفاء.
ــ رجعت إلى الغنم مرة أخرى؟
قال:
ــ نعم. يبدو أن الغنم علّمتني شيئًا عن البشر.
ثم سكت قليلًا.
ــ وتذكرت مهاني.
لم تجبه شفاء.
قال:
ــ سمية أخذت من جدتها شيئًا، وأسامة أخذ من مكان آخر في شجرة العائلة شيئًا آخر. وربما أخذ كل واحد منهما خليطًا مختلفًا من صفات آبائه وأجداده.
قالت شفاء:
ــ يعني أنك اقتنعت؟
أجاب:
ــ اقتنعت بأننا لا نعرف كل شيء.
ثم نظر إليها وأضاف:
ــ وهذا وحده يكفيني.

بعد أشهر، كان أسامة قد بدأ يبتسم.
وكانت سمية تجلس إلى جواره وتداعب شعره.
ذات صباح، دخل عبد الرحمن الحوش، فرآهما معًا.
نظر إلى سمية، فرأى في عينيها شيئًا من مهاني.
ثم نظر إلى أسامة، فرأى في بشرته شيئًا من وجوه قديمة لم يعرف أصحابها إلا من خلال الحكايات.
ابتسم.
اقترب من الحفيدين وقال:
ــ أنتما أخوان، وإن اختلفتما.
رفعت سمية رأسها.
ــ جدي، لماذا أنا عيوني صغيرة؟
ضحك عبد الرحمن.
ــ لأن جدتك كانت كذلك.
ثم أشارت إلى أخيها:
ــ ولماذا أسامة أسود؟
فكر قليلًا، ثم قال:
ــ لأن الله وزّع الألوان كما يوزع النخيل ظلاله.
لم تفهم سمية.
أما شفاء، التي كانت تسمعه من بعيد، فقالت:
ــ قل لها الحقيقة، يا عبد الرحمن.
التفت إليها.
ــ وما الحقيقة؟
قالت:
ــ قل لها إن الله لا يكرر خلقه.
ابتسم عبد الرحمن.
كانت تلك الجملة، في رأيه، أصدق من كل ما قاله في الأيام الماضية.

وفي آخر النهار، وقف عند باب الحوش يتأمل النخيل.
كانت الأشجار كلها من جنس واحد، لكنها لم تكن متطابقة.
هذه أطول.
وتلك أكثر امتلاء.
وهذه ثمرها أكثر حلاوة.
وتلك أوراقها أوسع.
تذكر الرخال الثلاث.
ثم تذكر سمية وأسامة.
وفجأة شعر أن قلقه القديم كان وليد فكرة واحدة: أن الأبناء يجب أن يحملوا صورة آبائهم كما هي.
لكن الحياة لا تعمل بهذه الطريقة.
فالجينات ولصفات لا تسير في العائلات كصف واحد من الجنود؛ بعضها يظهر، وبعضها يختبئ، وبعضها يجتمع مع جينات وصفات أخرى في صورة جديدة لم يرها أحد من قبل. وربما هناك طفرات جينية!.

زر الذهاب إلى الأعلى