روسيا وأوكرانيا.. هدنة الطاقة تحت النار

كريترنيوز/ متابعات /البيان
تواجه التهدئة المعلنة بين روسيا وأوكرانيا بشأن وقف استهداف منشآت الطاقة، اختباراً ميدانياً متزايداً، مع استمرار الاتهامات المتبادلة بخرق التفاهمات، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى المسار الدبلوماسي، واحتمالات استئناف المفاوضات.ويطرح تجدد الضربات على البنية التحتية الحيوية تساؤلات حول ما إذا كان التفاهم قد دخل مسار الانهيار، أم أن موسكو وكييف تستخدمان التصعيد المحدود، لتحسين مواقفهما التفاوضية قبل أي جولة جديدة.
وتتجاوز أهمية هذه التطورات حدود الأضرار المباشرة التي تلحق بمنشآت الكهرباء والتكرير، لتطال حسابات الأمن الاقتصادي، والاستعداد لفصل الشتاء، فضلاً عن قدرة الوسطاء الدوليين على تحويل التفاهمات السياسية إلى التزامات قابلة للتحقق والتنفيذ.
وفي ظل غياب الثقة المتبادلة، يظل كل هجوم أو اتهام بخرق الهدنة، عاملاً ضاغطاً على فرص استعادة مسار التهدئة.
استمرار ميداني
وتشير المعطيات المتاحة إلى أن إعلان التفاهم لم يتحول إلى اتفاق موثق وملزم بين موسكو وكييف. فقد أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 14 سبتمبر الجاري، أن الطرفين وافقا على وقف استهداف منشآت الطاقة، لكن أوكرانيا وروسيا لم تؤكدا التوصل إلى اتفاق نهائي، بينما استمرت الضربات على منشآت الطاقة في اليوم التالي، .
فجوة
وتكشف هذه الفجوة بين الإعلان السياسي والتنفيذ الميداني، عن أزمة ثقة تتجاوز مسألة الهدنة نفسها، إذ تربط موسكو ملف الطاقة أيضاً بأمن الملاحة التجارية، ورفع العقوبات، فيما تطالب كييف بضمانات متبادلة، تشمل مختلف أنواع البنية التحتية للطاقة.اتفاق مكتوب ومحدد المدةوتذهب قراءات تحليلية إلى أن التصعيد قد يمثل محاولة لتحسين شروط التفاوض، عبر الضغط على مصادر الطاقة والإيرادات والقدرة على الصمود، وليس بالضرورة قراراً بإغلاق الباب أمام التسوية
في المقابل، فإن استمرار الضربات يكشف هشاشة أي تفاهم لا يتضمن تعريفاً دقيقاً للأهداف المحظورة وآلية للتحقق من الالتزام، بما يجعل التهدئة معرضة للانتكاس مع كل حادث جديد.ويبدو أن الآلية الأكثر قابلية للاختبار، تتمثل في اتفاق مكتوب ومحدد المدة، برعاية أمريكية ودعم دولي، يتضمن قائمة واضحة بالمنشآت المحمية، وآلية مراقبة مستقلة لتوثيق الخروقات، وقناة اتصال عاجلة لمعالجة الحوادث، إلى جانب إجراءات متدرجة للمساءلة.غير أن نجاح هذه الآلية يظل مرتبطاً بقبول موسكو وكييف بها، وبقدرة الوسطاء على ضمان التنفيذ المتبادل، لا الاكتفاء بالإعلانات السياسية.
التفاهم المعلن
إلى ذلك، يرى د. رامي القليوبي الباحث في الشأن الروسي، أن التفاهم المعلن بشأن وقف استهداف منشآت الطاقة بين روسيا وأوكرانيا، لم يرتقِ فعلياً إلى هدنة مكتملة الأركان، في ظل غياب آليات واضحة لمراقبة الالتزام وضمان تنفيذه، معتبراً أن الإعلان الأمريكي جاء في إطار حسابات سياسية للرئيس دونالد ترامب.وأوضح القليوبي أن الهدنة، كما أُعلن عنها، كانت محكومة بالتعثر منذ البداية، لعدم وضع آليات رقابة تتيح التحقق من التزام الطرفين، مشيراً إلى أن التفاهمات السابقة بين موسكو وكييف، لم تصمد طويلاً أمام استمرار الخلافات الميدانية والسياسية.
وأضاف أن هدنة عيد النصر في مايو الماضي، انتهت باستئناف الضربات المتبادلة بكثافة جديدة، كما تكرر نمط التهدئة المؤقتة خلال زيارة ويتكوف وكوشنر إلى موسكو وكييف، حيث توقفت الضربات خلال وجودهما، قبل أن تُستأنف عقب مغادرتهما، وفق قراءته للتطورات.
وأكد أن استمرار الحرب يعكس غياب انفراج قريب في الأفق، في ظل تمسك كل طرف برؤيته الخاصة لإنهاء النزاع، لافتاً إلى أن الخلاف حول الأراضي يظل جوهر الخلاف الرئيس بين روسيا وأوكرانيا، ويشكل العقبة الأبرز أمام التوصل إلى تسوية سياسية مستدامة.
مسار تفاوضي هش
بينما يرى د. ديميتري بريجع مدير وحدة الدراسات الروسية في مركز الدراسات العربية الأوراسية، أن إعلان سبتمبر 2026 بشأن وقف استهداف منشآت الطاقة، لا يمثل سابقة، وإنما يأتي في إطار سلسلة من محاولات التهدئة التي سبق أن انهارت خلال فترات قصيرة، ما يعكس هشاشة هذا النوع من التفاهمات، وغياب الأسس التي تضمن استمراره.
ويشير بريجع إلى أن التجارب السابقة تكشف مشكلة بنيوية، تتمثل في غياب آلية مستقلة للتحقق من الالتزام، فضلاً عن الخلاف بين موسكو وكييف حول تعريف المنشآت المشمولة بالهدنة وحدودها.ولذلك، فإن إعلان وقف الضربات لا يكفي، في رأيه، ما لم يتحول إلى تفاهم مكتوب وواضح، يحدد الأهداف المحظورة وآليات الرقابة والتعامل مع الخروقات.
ويلفت إلى أن مواقف الأطراف الثلاثة تكشف اختلافاً في فهم طبيعة الهدنة، فواشنطن تتعامل معها كخطوة يمكن أن تهيئ أرضية لمسار تفاوضي أوسع، بينما تقبل كييف بها بصورة مشروطة، بضمان توقف روسيا عن استهداف شبكة الكهرباء ومنشآت الطاقة والبنية التحتية الحيوية، في حين تربط موسكو ملف الطاقة بقضايا أخرى، بينها أمن الملاحة والعقوبات، بما يجعله جزءاً من مساومة تفاوضية أوسع.ضربات متبادلة ويضيف بريجع أن الضربات المتبادلة تحولت إلى أداة ضغط ذات كلفة اقتصادية وعسكرية، خصوصاً مع تأثير الهجمات الأوكرانية في قطاع التكرير الروسي، مقابل استمرار الضربات الروسية على البنية التحتية الأوكرانية.
ومن ثم، فإن تجدد القصف لا يعني بالضرورة انهيار المسار التفاوضي، بقدر ما يعكس استخدام الطرفين للضغط الميداني لتحسين مواقفهما قبل أي تفاوض مقبل. ويخلص إلى أن اختبار جدية أي هدنة جديدة، سيبقى مرتبطاً بوجود آلية تحقق واضحة، والتزام متبادل قابل للقياس.