اقتصاد

هل يضحي ترامب بالدولار للخروج من أزمة 40 تريليوناً ؟

تدخل السياسة المالية الأمريكية مرحلة حاسمة من الضغوط والتعقيد الشديد، مع تجاوز الدين الوطني حاجز الـ40 تريليون دولار، وتزايد حدة الجدل حول الاستراتيجيات غير التقليدية المطروحة لإعادة توازنه. وفي هذا السياق، تسلط تقارير صحيفة «فورتشن» الضوء على توجه غير رسمي ومثير للجدل داخل أروقة البيت الأبيض يرمي إلى التسامح مع مستويات تضخم مرتفعة، سواء كان ذلك عن قصد أو غير قصد كحل لخفض القيمة الحقيقية للالتزامات المالية الضخمة للدولة، وهو ما يعرف اقتصادياً بآلية «تآكل الدين عبر التضخم» (Inflating away the debt). ومع وصول كلفة خدمة هذا الدين وفوائده السنوية إلى مستويات تناهز 2 تريليون دولار، ومصادفة تتجاوز فيها نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي حاجز 120%، يتزايد القلق المؤسسي في واشنطن والأسواق المال من أن يؤدي هذا الاستئناس بالتضخم إلى اضطرابات أعتم في سوق السندات وعلاوات المخاطر المترتبة على الاقتراض الحكومي.

 

وقد أثارت هذه التلميحات ردود فعل واسعة ومتباينة عبر وسائل الإعلام الاقتصادية الأمريكية الكبرى؛ إذ أشارت شبكات ومؤسسات صحفية مثل «بلومبرغ» و«وول ستريت جورنال» و«سي إن إن بيزنس» إلى أن اللجوء الضمني للسياسات التضخمية يخلق حالة من انعدام الثقة في الأسواق المالية وتذبذباً صاعداً في عوائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات التي تخطت حاجز 5%.

 

واعتبر الإعلام الاقتصادي الأمريكي أن محاولة التغلب على عجز الميزانية من خلال السماح للأسعار بالارتفاع المستمر ليست سوى ضريبة خفية تُقتطع مباشرة من القدرة الشرائية للمستهلكين وللطبقات المتوسطة والفقيرة، مؤكدين أن تخفيض القيمة الفعلية للدين عن طريق التضخم سيؤدي إلى تآكل قيمة الثروات والمدخرات ويضاعف من أعباء المعيشة اليومية للشارع الأمريكي.

 

وفي المقابل، تحافظ وزارة الخزانة الأمريكية برئاسة الوزير سكوت بيسنت على خط دفاع محفوف بالتحديات، حيث تُصر الوزارة في بياناتها الرسمية على الالتزام بطرق سداد قائمة على تحفيز النمو الاقتصادي، واستغلال عائدات الرسوم الجمركية المرتفعة، ورسوم التأشيرات، وضبط الإنفاق الحكومي للحد من تراكم العجز الذي يصل لنحو 155 مليار دولار شهرياً.

 

وعلى الجانب الآخر، يقف مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي) برئاسة رئيسه كيفن وارش في موقع المدافع الصلب عن استقلالية المؤسسة النقدية وهدفها الأساسي في كبح التضخم. وأكد مسؤولو الفيدرالي استمرارهم في استخدام أداة أسعار الفائدة التي تم رفعها مؤخراً لتستقر في نطاق 3.75% إلى 4% لمواجهة الضغوط التضخمية المستمرة، رافضين الخضوع لأي ضغوط سياسية تدعو إلى تيسير نقدي سابق لأوانه قد يغذي موجات تضخمية جديدة، واصفين أي استراتيجية تعتمد التضخم لتقليص الدين بأنها مغامرة كارثية تبدد التراكم الاقتصادي وتضر بالاستقرار المالي للدولار كعملة احتياط عالمية.

 

وفي سياق القراءة التحليلية لهذه الأزمة، عبر عدد من خبراء الاقتصاد والمؤسسات البحثية عن تخوفات شديدة من المدى المستقبلي للتوجيهات السياسية الراهنة؛ حيث صرح مايكل بيترسون، الرئيس التنفيذي لمؤسسة «بيتر جي بيترسون» المالية، بأن «استمرار تنامي الدين الوطني بوتيرة قياسية يمثل عبئاً مالياً خطيراً يُلقى على كاهل الأجيال القادمة، وإن محاولة معالجة هذه المسألة عبر القفز فوق التضخم سيزيد من كلفة Borrowing وتكاليف المعيشة الأساسية بدلاً من علاج العجز المالي من جذوره».

 

وفي الاتجاه ذاته، أشارت الخبيرة الاقتصادية البارزة والباحثة السابقة في الفيدرالي الأمريكي كلوديا سام إلى أن «المؤشرات الاقتصادية أظهرت تحولاً هيكلياً صامتاً؛ إذ إن التركيز على الآليات التضخمية المؤقتة لتغطية الديون يغفل مخاطر الدخول في حلقة مفرغة من ارتفاع العوائد على السندات وانخفاض الاستثمار الحقيقي».

 

وفي تحليل أعمق لتبعات التضخم على القوة المباشرة للمواطنين، أكدت إليانور برينجل في طرحها أن الدين البالغ 40 تريليون دولار لم يعد مجرد رقم دفتري لدى المشرعين، بل تحول وفق التقديرات الاقتصادية للجنة الاقتصادية المشتركة في الكونغرس إلى عبء مباشر يوازي نحو 117 ألف دولار لكل فرد أمريكي، محذرة من أن استمرار الاقتراض والتغاضي عن ارتفاع الأسعار سيزيد من القناعة بأن الولايات المتحدة تسير نحو مرحلة من الاستقطاب الاقتصادي وضبابية المشهد المالي العالمي.

زر الذهاب إلى الأعلى