مقالات وآراء

القات الشمالي.. أخطر سلاح حوثي ضد الجنوبيين

كتب: صالح الفضلي

في الحرب، ليست كل الأسلحة صواريخ وطائرات ومسيرات. أحيانًا يكون أخطر سلاح هو الشيء الذي لا يريد أحد منعه، لأنه أصبح جزءًا من الحياة اليومية ومصدرًا للمال في الوقت نفسه.

وهنا تكمن إحدى أخطر نقاط الضعف في الجنوب: القات القادم من الشمال.

منذ أيام، أُغلقت أو انقطعت معظم الطرق التي تربط مناطق الشمال بالمحافظات الجنوبية الغربية، بما في ذلك محاور كرش والصبيحة ورأس عمران. لكن طريق الضالع–دمت، وطريق الجوف–مأرب–الخشعة–سيئون، لا تزال مفتوحة، وهو ما يعني أن أحد أهم منافذ الحركة القادمة من مناطق الشمال ما زال قائمًا.

المشكلة ليست في القات وحده، بل في ما يرافق شاحنات القات وحركة تجاره ومتعاطيه من حركة بشرية وأموال واتصالات. فكل يوم يدخل فيه القات من دمت باتجاه الضالع ثم الجنوب، تدخل معه أعداد كبيرة من المسافرين والشباب، ومن بينهم ــ وفق المخاوف الأمنية المتداولة ــ أشخاص قد يستغلون هذا التدفق للوصول إلى عدن ومناطق جنوبية أخرى.

وتزداد حساسية هذه المسألة في ظل تصاعد الدعوات داخل عدن إلى إعلان حالة الطوارئ وتشديد الإجراءات الأمنية، بذريعة الخوف من وجود خلايا حوثية نائمة أو محاولات للتسلل إلى المدينة.
وهنا تحديدًا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: إذا كانت السلطات الأمنية تستعد لاحتمال وجود خلايا أو عمليات تسلل داخل عدن، فهل من المنطقي أن تبقى حركة الدخول القادمة من مناطق تشهد الحرب والتوتر مفتوحة من دون رقابة دقيقة ومنظمة؟

لا أحد يستطيع أن يجزم بأن كل شاب يعبر هذا الطريق هو حوثي أو مرتبط بالحوثيين. ولا يجوز أصلًا تحويل الشك الأمني إلى اتهام جماعي. لكن السؤال الأمني البسيط هو: لماذا تظل هناك ثغرة مفتوحة في وقت تُغلق فيه بقية المنافذ بسبب الحرب؟

الأكثر إثارة للقلق أن القات ليس مجرد سلعة عابرة. إنه سوق ضخمة تدر أموالًا يومية، ويستفيد منها تجار ومتنفذون وسلطات محلية ونقاط تحصيل في مناطق مختلفة. ولذلك يصبح التعامل مع طريق القات أكثر تعقيدًا من مجرد قرار أمني؛ لأنه يصطدم بمصالح اقتصادية واجتماعية واسعة.

وهنا المفارقة: قد يكون الجنوب مستعدًا لإغلاق طريق عسكري، لكنه يتردد في تشديد الرقابة على طريق القات.

ويمكن بدلًا من الدعوة إلى الإغلاق الفوري اعتماد إجراءات أمنية متدرجة تبدأ بتفتيش دقيق ومنظم للشاحنات والمركبات، والتحقق من هويات السائقين والمرافقين وتسجيل بياناتهم، وتنظيم أوقات ومسارات مرور الشاحنات، مع تخصيص نقاط رقابة مشتركة ومراقبة حركة الدخول والخروج. كما ينبغي تحديث قوائم المطلوبين والتحقق من الوثائق، مع ضمان عدم تحويل الإجراءات إلى استهداف جماعي أو تعطيل غير مبرر لحركة المدنيين.

وتُقاس فعالية هذه الإجراءات بقدرتها على خفض حالات التسلل والوثائق المزورة والمخالفات الأمنية، وتحسين دقة سجلات العابرين، وتقليص زمن الاستجابة للبلاغات، مع مراجعة دورية للنتائج عبر بيانات موثقة وشكاوى المسافرين والتجار. فإذا أثبتت الرقابة المتدرجة عجزها عن سد الثغرات، يمكن تشديدها تدريجيًا وفق تقييم أمني واضح ومعلن.

فالقات الذي يدخل من الشمال قد يبدو في ظاهره مجرد أوراق خضراء، لكنه في ظروف الحرب يمكن أن يتحول إلى غطاء لحركة بشرية لا يمكن التحقق من نوايا جميع أفرادها.

وإذا كانت عدن اليوم تناقش أصلًا احتمال إعلان الطوارئ وتشديد إجراءاتها لمواجهة خطر الخلايا النائمة، فإن تجاهل المنافذ التي تتحرك عبرها السلع والأشخاص سيكون تناقضًا أمنيًا واضحًا.

وإذا كان الجنوب يغلق طرق الحرب، لكنه يترك طريق القات من دون تفتيش وتحقق وتنظيم كافٍ، فقد يكتشف متأخرًا أن أخطر ثغرة لم تكن في الجبهة، بل في السوق.

زر الذهاب إلى الأعلى