عملية مطار عدن 10 ديسمبر 1963م .. القنبلة التي أسقطت هيبة الإمبراطورية وأعلنت حالة الطوارئ في عدن

بقلم: الشيخ أحمد سعيد العمودي
هناك عمليات تمر كخبر عابر وهناك عملية واحدة تغير مسار ثورة كاملة وتجبر إمبراطورية عظمى أن تعترف أنها في حرب عملية مطار عدن في صباح العاشر من ديسمبر عام 1963م هي تلك العملية كانت الثورة قد انطلقت في الرابع عشر من أكتوبر في ردفان بقيادة الشهيد راجح لبوزة ثم هدأت قليلا واعتقد البريطانيون أنهم سيطروا على الموقف حتى جاء صباح العاشر من ديسمبر فانفجرت قنبلة واحدة في مطار خور مكسر فأعلنت لندن حالة الطوارئ في كل جنوب الجزيرة وبدأت حرب الأربع سنوات الحقيقية التي انتهت بخروج بريطانيا.
عدن في ديسمبر 1963م
كانت عدن في ذلك الشتاء تغلي فمنذ أكتوبر والجبال تشتعل والمنشورات السرية للجبهة القومية للتحرير National Liberation Front توزع في كريتر والشيخ عثمان والمعلا تدعو إلى إضراب عام وكانت بريطانيا تحاول أن تلمع صورتها فقررت أن تجمع كل مشايخ وسلاطين اتحاد الجنوب العربي Federation of South Arabia في مطار خور مكسر Khormaksar Airport لاستقبال المندوب السامي الجديد السير كينيدي تريفيسكيس Sir Kennedy Trevaskis الذي وصل قبل أشهر فقط خلفا للسير تشارلز جونستون.
وتريفيسكيس كان رجلا خطيرا في نظر الثوار كان ضابطا قديما في جيش روديسيا الشمالية Northern Rhodesia Regiment وقع أسيرا عند الإيطاليين في الحرب العالمية الثانية ثم أصبح واليا على إريتريا ويعرف بأنه مهندس اتحاد الجنوب العربي الذي يريد تثبيت المشيخات ضد الجمهورية في صنعاء وكان يردد أن عدن يجب أن تبقى تحت التاج البريطاني إلى الأبد.
وكان موعده في ذلك الصباح أن يصعد طائرة متجهة إلى لندن للقاء وزير المستعمرات Duncan Sandys ليعرض عليه خطة تأجيل الاستقلال.
صباح القنبلة
في الساعة الثامنة والنصف صباحا بتوقيت عدن يوم الثلاثاء العاشر من ديسمبر 1963م كان المطار مزدحما كان هناك صف طويل من كبار الضباط البريطانيين وضباط جيش الاتحاد النظامي Federal Regular Army وعدد من السلاطين بعمائمهم والموظفون والنساء البريطانيات يودعون المندوب السامي وكان الجميع يقف على سلم الطائرة.
وفي وسط الزحام كان هناك شاب عدني نحيل من أبناء كريتر اسمه خليفة عبد الله خليفة من الخلايا السرية عمره 22 سنة كان يعمل حمالا في المطار فسمح له بالدخول لأنه معروف وكان يخفي تحت ملابسه قنبلة يدوية من نوع ميلز 36 Mills Bomb وهي قنبلة بريطانية الصنع نفسها كان قد سرقها الفدائيون من مخزن بريطاني.
تقدم خليفة حتى أصبح على بعد أربعة أمتار من تريفيسكيس ثم نزع الفتيل ورمى القنبلة مباشرة نحو المندوب السامي.
يروي الشهود أن جورج هندرسون George Henderson نائب المندوب السامي ومساعده الشخصي رأى القنبلة في الهواء فقفز فورا ودفع تريفيسكيس بقوة وألقى به أرضا فانفجرت القنبلة في الحال.
دوى الانفجار في كل خور مكسر وسقط الجميع أرضا وتصاعد الدخان.
كانت الحصيلة قتيلان في الحال امرأة كانت تودع زوجها وجورج هندرسون نفسه الذي أصيب بجروح خطيرة ونقل إلى مستشفى الملكة في خورمكسر ثم مات متأثرا بجروحه بعد أيام فأصبح ثاني قتيل وتسعة وأربعون جريحا بينهم تريفيسكيس نفسه الذي أصيب بشظايا في ساقه ووجهه ونقل وهو ينزف.
وكان من الجرحى أيضا الجنرال البريطاني السير جون كوبولد وعدد من السلاطين.
وأما الفدائي العدني البطل خليفة عبد الله فقد انسحب في الفوضى واختفى بين بيوت خور مكسر ثم هرب وأصبح بطلا قوميا.
ما بعد الانفجار إعلان الطوارئ
وصل خبر الانفجار إلى لندن في نفس الساعة وكانت الساعة الخامسة صباحا هناك فاجتمع مجلس الوزراء البريطاني برئاسة رئيس الوزراء السير أليك دوغلاس هيوم Sir Alec Douglas Home وقرر في نفس اليوم إعلان حالة الطوارئ Emergency في مستعمرة عدن ومحمياتها الشرقية والغربية وتطبيق قانون الطوارئ الذي يعطي الجيش البريطاني حق الاعتقال بلا محاكمة والمداهمة والتفتيش وحظر التجول.
وأعلنت الإذاعة البريطانية في عدن Aden Radio أن من يخفي قنبلة سيعدم.
وفي اليوم التالي اعتقلت السلطات البريطانية ألف شاب عدني في حملة واسعة واقتادتهم إلى سجن المنصورة وإلى سجن جزيرة العبيد “جزيرة العمال” وهو سجن داخل البحر واعتقلت قيادة اتحاد نقابات عمال عدن بقيادة عبد الله الأصنج ووضعت عبد القوي مكاوي تحت الإقامة الجبرية.
وأرسلت بريطانيا كتيبة جديدة من الاسكتلنديين Argyll and Sutherland Highlanders وكتيبة من المظليين Parachute Regiment لتعزيز حامية عدن التي كانت 3500 جندي.
ومنذ ذلك اليوم بدأت حرب الشوارع الحقيقية فبعد أسبوع واحد فقط بدأت الخلايا ترمي القنابل على دوريات الإنجليز في المعلا ستريت Maala Straight الشارع الرئيسي الذي تسكنه عائلات الجنود وكانت النساء البريطانيات يضعن البنادق في عربات الأطفال.
وفي أبريل 1964م أرسلت بريطانيا لأول مرة قوات النخبة الخاصة SAS إلى ردفان ويافع لتصطاد الفدائيين في الجبال وقصفت جبال ردفان وجبال يافع بقاذفات شاكلتون Shackleton Bombers ألقت في ثلاثة أشهر 3504 قنابل زنة 20 رطلا و14 قنبلة زنة 1000 رطل وأطلقت طائرات الهوكر هنتر 2508 صاروخا ودمرت بيوتا ومزارع وقتلت مواشي.
لماذا كانت عملية المطار هي الأخطر
يقال في كتب الثورة إن عملية مطار عدن كانت أهم من معركة لأنها كشفت ثلاثة حقائق :
الحقيقة الأولى أن مقاومة الثوار استطاعت أن تخترق أكثر مكان محصن في عدن مطار خور مكسر الذي تحرسه الشرطة العسكرية البريطانية وتدخل قنبلة إلى داخل الدائرة الضيقة حول المندوب السامي نفسه وهذا يعني أن الاستعمار لم يعد آمنا حتى في مكتبه.
والحقيقة الثانية أن بريطانيا نفسها اعترفت أن المسألة ليست شغب بل ثورة منظمة فإعلان حالة الطوارئ Emergency هو اعتراف قانوني بوجود حرب ولهذا يسمي المؤرخون البريطانيون كل الفترة من 10 ديسمبر 1963م حتى 30 نوفمبر 1967م باسم Aden Emergency أي طوارئ عدن.
والحقيقة الثالثة أن العملية وحدت صفوف الثوار فبعدها بأيام انضمت مجاميع جديدة من جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل FLOSY إلى العمل المسلح وبدأ السباق بين الجبهتين على من يقتل أكثر من الإنجليز.
واليوم عندما تمر من مطار عدن الدولي في خور مكسر وترى الصالة القديمة التي بناها الإنجليز عام 1927 وترى مكان المدرج القديم فاعلم أن هناك في نفس المكان وقف تريفيسكيس وهندرسون وسقطت قنبلة صغيرة من يد شاب عدني اسمه خليفة عبد الله فأصابت إمبراطورية في قلبها وجعلت لندن تعلن أن عدن منطقة حرب وأن رحيلها منها مسألة وقت فقط وكان ذلك الوقت أربع سنوات بالضبط ……
بقلم ✍🏻 الشيخ أحمد سعيد أحمد عمر العمودي
عملية مطار عدن 10 ديسمبر 1963م ..
القنبلة التي أسقطت هيبة الإمبراطورية وأعلنت حالة الطوارئ في عدن …
المصادر والمراجع :
المصادر والمراجع لمقال “عملية مطار عدن 10 ديسمبر 1963م” :
أولا تاريخ ومكان العملية :
1- عملية مطار عدن Aden Airport Attack صباح الثلاثاء 10 ديسمبر 1963 الساعة الثامنة والنصف صباحا بتوقيت عدن في مطار خور مكسر Khormaksar Airport إحداثيات 12.82944 شمالا 45.02917 شرقا .. نوع الهجوم رمي قنبلة يدوية Grenade Attack نوع السلاح قنبلة ميلز 36 Mills Bomb No 36 Mills bomb بريطانية الصنع .. الهدف المندوب السامي السير كينيدي تريفيسكيس Sir Kennedy Trevaskis .. مصدر Wikipedia 1963 Aden airport attack ووثيقة National Archives Kew AIR 23 و FO 1016
2- المندوب السامي السير جيرالد كينيدي نيكولاس تريفيسكيس Sir Gerald Kennedy Nicholas Trevaskis ولد 1 يناير 1915 مات 14 مارس 1990 خدم في جيش روديسيا الشمالية Northern Rhodesia Regiment وقع أسيرا عند الإيطاليين في أغسطس 1940 في الصومال البريطاني British Somaliland ثم خدم في الإدارة العسكرية البريطانية لإريتريا British Military Administration of Eritrea ثم واليا على إريتريا ثم مندوبا ساميا لعدن من 1963 حتى 1965 يعتبر مهندس اتحاد الجنوب العربي Federation of South Arabia خلفا للسير تشارلز جونستون Sir Charles Johnston كان متجها إلى لندن للقاء وزير المستعمرات دانكن سانديس Duncan Sandys لبحث تأجيل الاستقلال .. مصدر Oxford Dictionary of National Biography مقال Anthony d Avray وكتاب The British Empire للكاتب Stephen Luscombe
ثانيا تفاصيل الهجوم والمنفذ :
3- المنفذ الفدائي العدني خليفة عبد الله خليفة من أبناء كريتر 22 سنة من الخلايا السرية National Liberation Front NLF كان يعمل حمالا في المطار فسمح له بالدخول .. تقدم أربعة أمتار من تريفيسكيس ونزع الفتيل ورمى القنبلة .. مصدر كتاب تاريخ الحركة الوطنية في جنوب اليمن لعلي أحمد ناصر السلامي وشهادة الفدائيين في مقابلة صحيفة الأيام 2007م.
4- جورج هندرسون George Henderson نائب المندوب السامي Assistant High Commissioner دفع تريفيسكيس وألقاه أرضا فأنقذ حياته أصيب بجروح خطيرة نقل إلى مستشفى الملكة Queen Hospital ثم مات متأثرا بجروحه بعد أيام فأصبح القتيل الثاني .. القتيلة الأولى امرأة كانت تودع زوجها .. إجمالي القتلى 2 والجرحى 49 بينهم تريفيسكيس نفسه بشظايا في ساقه ووجهه والجنرال السير جون كوبولد وعدد من السلاطين .. الفدائي العدني انسحب في الفوضى واختفى في خور مكسر ثم هرب .. مصدر تقرير الشرطة البريطانية في عدن Aden Police Report 10 December 1963 وصحيفة التايمز البريطانية The Times 11 December 1963
ثالثا ما بعد الانفجار إعلان الطوارئ :
5- وصول الخبر إلى لندن الساعة الخامسة صباحا اجتماع مجلس الوزراء البريطاني برئاسة رئيس الوزراء السير أليك دوغلاس هيوم Sir Alec Douglas Home وقرار في نفس اليوم إعلان حالة الطوارئ Emergency في مستعمرة عدن ومحمياتها الشرقية والغربية وتطبيق قانون الطوارئ يعطي الجيش حق الاعتقال بلا محاكمة والمداهمة والتفتيش وحظر التجول وإذاعة عدن Aden Radio تعلن أن من يخفي قنبلة سيعدم .. مصدر Hansard مجلس العموم البريطاني 10 و 11 ديسمبر 1963 ووثيقة Emergency Regulations Aden 1963
6- حملة اعتقال واسعة اليوم التالي ألف شاب عدني إلى سجن المنصورة وسجن جزيرة العبيد “جزيرة العمال” سجن داخل البحر واعتقال قيادة اتحاد نقابات عمال عدن بقيادة عبد الله الأصنج Abdullah Al Asnag ووضع عبد القوي مكاوي Abdul Qawi Makkawi تحت الإقامة الجبرية .. إرسال كتيبة جديدة من الاسكتلنديين Argyll and Sutherland Highlanders وكتيبة من المظليين Parachute Regiment تعزيز حامية عدن 3500 جندي .. مصدر كتاب The British in Aden ل R J Gavin
7- بداية حرب الشوارع بعد أسبوع رمي قنابل على دوريات الإنجليز في المعلا ستريت Maala Straight الشارع الذي تسكنه عائلات الجنود النساء البريطانيات يضعن البنادق في عربات الأطفال عربة طفل قتل بقنبلة وابنة قائد جناح قتلت بلغم في حفلة كما يروي قدامى الجنود .. مصدر شهادة جوديث وتوني من سلاح الجو الملكي RAF في مقال The Forgotten War The Free Library وكتاب The SAS in Aden War History Online
8- إرسال قوات النخبة الخاصة SAS إلى ردفان Radfan أبريل 1964 وقصف جبال ردفان بقاذفات شاكلتون Shackleton Bombers ألقت في ثلاثة أشهر 3504 قنابل زنة 20 رطلا و14 قنبلة زنة 1000 رطل وأطلقت طائرات هوكر هنتر Hawker Hunter 2508 صاروخا ودمرت بيوتا ومزارع .. مصدر وزارة الدفاع البريطانية Ministry of Defence Report Operation Radforce 1964
رابعا الأهمية التاريخية :
9- العملية أهم من معركة لأنها اخترقت أكثر مكان محصن مطار خور مكسر الذي تحرسه الشرطة العسكرية البريطانية وكشفت أن الاستعمار غير آمن حتى في مكتبه وإعلان حالة الطوارئ Emergency اعتراف قانوني بوجود حرب ولهذا يسمي المؤرخون الفترة من 10 ديسمبر 1963 حتى 30 نوفمبر 1967 باسم Aden Emergency طوارئ عدن ووحت صفوف الثوار وانضمت مجاميع جديدة من جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل FLOSY Front for the Liberation of Occupied South Yemen إلى العمل المسلح وبدأ السباق بين الجبهتين .. مصدر كتاب Aden Emergency ل Jonathan Walker وكتاب Wars of Decolonization
بقلم ✍🏻 الشيخ أحمد سعيد أحمد عمر العمودي