كيف يمكن توظيف الذكاء الاصطناعي في جمع التراث الشعبي الحضرمي وتوثيقه ودراسته؟

كتب: أ. د. مسعود عمشوش
يمثل الأدب الشعبي أحد أهم مستودعات الذاكرة الجمعية للمجتمعات، فهو لا يقتصر على الشعر والحكايات والأمثال والأهازيج، بل يحفظ كذلك تفاصيل الحياة اليومية، والعادات والتقاليد، وأسماء الأماكن والأدوات والمهن والمحاصيل، وأنماط التفكير والعلاقات الاجتماعية. وتكتسب هذه الوظيفة أهمية خاصة في حضرموت، التي أنتج تنوع بيئاتها الطبيعية والاجتماعية والثقافية أشكالاً متعددة من التعبير الشعبي، ارتبطت بالزراعة والرعي والسفر والعمل والاحتفالات والمناسبات الاجتماعية.
وقد أظهرت الدراسات التي تناولناها في كتابنا (دراسات في الأدب الشعبي في حضرموت) أن هذا الأدب يمتلك ثراءً كبيراً، سواء من حيث تنوع فنونه أو تعدد رواياته أو ما يختزنه من مفردات وتراكيب لهجية ومعارف اجتماعية وتاريخية. ففيه المقامات والقصائد والنوادر والحزايا، والشعر الشعبي النسوي، والزوامل والمراجز، وأغاني السناوة، والأمثال الشعبية، وغيرها من الأشكال التي لم تحظ جميعها بما تستحقه من جمع وتوثيق ودراسة.
ومع التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، ولا سيما أدوات التعرف على الكلام وتحليل النصوص ومعالجة اللغات، أصبحت أمام الباحثين فرص جديدة لتطوير طرائق التعامل مع هذا التراث. فلم يعد جمع النصوص الشعبية وتوثيقها وتحليلها مرتبطاً بالضرورة بالعمل اليدوي وحده، إذ يمكن الاستعانة بهذه التقنيات في تفريغ التسجيلات، وتنظيم الروايات، واستخراج المفردات، وتصنيف النصوص، ومقارنة صيغها المختلفة.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى التفكير في كيفية توظيف الذكاء الاصطناعي لخدمة الأدب الشعبي الحضرمي، ليس بوصفه بديلاً عن الباحث أو الراوي، وإنما بوصفه أداة مساعدة تتيح توسيع نطاق البحث، وتسريع إنجاز بعض مراحله، وفتح آفاق جديدة أمام دراسة هذا الموروث.
أولاً: تحويل التسجيلات الصوتية إلى نصوص مكتوبة
يُعد جمع النصوص الشفهية من أهم الصعوبات التي تواجه الباحث في الأدب الشعبي، ولا سيما أن كثيراً من الحكايات والأشعار والأهازيج لم يصل إلينا مكتوباً، وإنما ظل محفوظاً في ذاكرة الرواة والمنشدين والممارسين للفنون الشعبية.
ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في تجاوز جانب مهم من هذه الصعوبة من خلال أدوات تحويل الكلام إلى نص مكتوب (Speech to Text). إذ يستطيع الباحث تسجيل رواية أحد كبار السن لحكاية شعبية، أو إنشاد قصيدة، أو أداء زامل، ثم استخدام هذه الأدوات للحصول على تفريغ أولي للتسجيل.
ويمكن تطبيق ذلك، مثلاً، على الحزايا الحضرمية التي تناولنا بعض نماذجها في الكتاب، وعلى قصائد الشعراء الشعبيين، مثل مستور حمادي وأحمد بركات الشبامي، وكذلك على أغاني السناوة والزوامل والمراجز. وبدلاً من الاكتفاء بتدوين ما يتذكره الراوي أو الباحث أثناء الاستماع، يصبح بالإمكان الاحتفاظ بالتسجيل الأصلي وإنتاج نسخة مكتوبة منه، ثم مراجعتها وتصحيحها.
غير أن اللهجة الحضرمية، بتنوع مفرداتها واختلاف نطقها من منطقة إلى أخرى، قد تشكل تحدياً أمام أدوات التفريغ الآلي المتاحة حالياً. ولذلك ينبغي ألا يعتمد الباحث النص الناتج اعتماداً نهائياً، بل يراجعه بالعودة إلى التسجيل، مستعيناً بمعرفته باللهجة وبمساعدة الرواة المحليين.
ومن المهم أيضاً الاحتفاظ بالتسجيل الأصلي إلى جانب النص المكتوب، لأن طريقة الأداء والنبرة والإيقاع والتوقفات قد تحمل دلالات لا يمكن للنص المكتوب وحده أن ينقلها.
ثانياً: مقارنة الروايات المختلفة للنص الشعبي
من الخصائص الأساسية للأدب الشعبي انتقاله الشفهي من جيل إلى آخر، وهو ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى ظهور روايات متعددة للنص الواحد، تختلف في بعض الألفاظ أو الأبيات أو الأحداث، وقد تتباين في ترتيب الوقائع أو نهايات الحكايات.
وقد أشرنا في دراستنا عن الشاعر الشعبي ابن زامل إلى تعدد الروايات المتعلقة بقصته الغرامية، واختلافها في تفاصيل علاقته بالفتاة التي أحبها، والأسفار التي ارتبطت بتلك القصة، والنهاية التي آلت إليها. كما أشرنا إلى أن الروايات الشفهية تتعرض للزيادة والنقصان بسبب كثرة تداولها بين الناس.
وهنا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقدم خدمة مهمة؛ إذ يستطيع الباحث إدخال روايتين أو أكثر لنص شعبي واحد، وطلب تحديد أوجه الاتفاق والاختلاف بينها، والكلمات التي تغيرت، والأبيات التي أضيفت أو حذفت، والوقائع التي وردت في رواية وغابت عن أخرى.
وبهذه الطريقة يمكن إعداد جدول يوضح الروايات المختلفة، ومصادرها، وأسماء الرواة، والمناطق التي جُمعت فيها، وتاريخ تسجيلها. ويساعد ذلك الباحث على دراسة تطور النص وانتشاره، وفهم كيفية تفاعل الذاكرة الشعبية معه.
لكن لا ينبغي اعتبار الرواية الأطول أو الأكثر تداولاً هي بالضرورة الرواية الأصلية أو الأصح؛ فمهمة الباحث ليست اختيار رواية بصورة آلية، وإنما تفسير الاختلافات وتحديد قيمتها ودلالاتها الثقافية والتاريخية.
ثالثاً: استخراج المفردات القديمة وبناء معجم للهجة الحضرمية
تُعد المفردات والتراكيب العامية من أهم العناصر التي تمنح النص الشعبي خصوصيته المحلية، كما أنها تمثل مصدراً مهماً لدراسة التحولات اللغوية والاجتماعية. وقد لاحظنا في دراستنا لأدب أحمد بركات الشبامي أن نصوصه تحتفظ بعدد كبير من المفردات والتراكيب الحضرمية التي كانت مستخدمة في عصره، وبعضها أصبح اليوم غريباً على الأجيال الجديدة.
ومن الأمثلة التي توقفنا عندها كلمات مثل: (تنار) بدلاً من (تنور)، و(تاكي) بدلاً من (متكئ)، فضلاً عن مفردات وتعبيرات أخرى ترتبط بالأدوات والمهن والحياة اليومية.
ويمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لاستخراج المفردات غير المألوفة من النصوص الشعبية، وتصنيفها بحسب موضوعاتها، مثل مفردات الزراعة، والنخيل والتمور، والأدوات المنزلية، والمهن، والملابس، والأطعمة، والعلاقات الاجتماعية.
ويمكن أن يتجاوز الأمر مجرد استخراج الكلمات إلى إنشاء معجم إلكتروني للهجة الحضرمية، يتضمن لكل مفردة:
• الكلمة كما وردت في النص الشعبي.
• طريقة نطقها وتسجيلها صوتياً.
• معناها باللغة العربية الفصحى.
• أمثلة على استعمالها في الشعر أو النثر الشعبي.
• المنطقة التي تستخدم فيها.
• أسماء الرواة أو المصادر التي وردت فيها.
• تاريخ توثيقها، إن أمكن.
ويمكن البدء بمعجم مستخرج من نصوص أحمد بركات ومستور حمادي والزوامل والمراجز التي جمعنا نماذج منها، ثم توسيعه تدريجياً ليشمل بقية النصوص والمصادر.
وستكون لهذا المشروع قيمة لغوية وثقافية كبيرة، لأنه لا يحفظ الكلمات من الاندثار فحسب، بل يتيح للباحثين دراسة تطور اللهجة الحضرمية ومقارنة مفرداتها عبر الأزمنة والمناطق.
رابعاً: تصنيف النصوص ورسم خرائط انتشار الفنون الشعبية
تتعدد الفنون الشعبية في حضرموت بتعدد بيئاتها ومناطقها ووظائفها الاجتماعية. فهناك فنون ارتبطت بالزراعة، وأخرى بالسفر والترحال، وثالثة بالأفراح والمناسبات، فضلاً عن الأشكال الشعرية والغنائية التي ارتبطت ببيئات معينة.
ويمكن الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في تصنيف النصوص التي يجمعها الباحث وفق نوعها الأدبي وموضوعها ومناسبتها ووظيفتها الاجتماعية. فبإمكانه، مثلاً، المساعدة في التمييز بين الحكاية الشعبية والنادرة، وبين الزامل والمرجوزة، وبين الأغنية المرتبطة بالعمل الزراعي وغيرها من الأغاني.
كما يمكن ربط كل نص بالمكان الذي جُمع فيه، وتحديد أسماء الرواة وتاريخ التسجيل، ثم استخدام هذه البيانات لإعداد خرائط رقمية توضح انتشار بعض الفنون الشعبية في حضرموت.
ومن الأمثلة على ذلك رسم خريطة لانتشار الزوامل والمراجز، أو تحديد المناطق التي عُرفت فيها أغاني السناوة، أو مقارنة أشكال الشعر الشعبي في وادي حضرموت بساحله ومناطقه الأخرى.
ويمكن أن تكشف هذه الخرائط عن مناطق تشابهت فيها بعض الفنون، وأخرى احتفظت بأشكال محلية خاصة، كما قد تساعد على تتبع انتقال بعض النصوص من منطقة إلى أخرى.
ولا تقتصر أهمية هذا الاستخدام على التصنيف الجغرافي، بل يمكن أن يسهم في دراسة العلاقة بين الفن الشعبي وبيئته الاجتماعية والاقتصادية، وهي علاقة أشرنا إليها في مقدمة الكتاب عند الحديث عن ارتباط الأغاني والأهازيج بالمهن والمناسبات وأنماط الحياة.
خامساً: دراسة الشعر الشعبي والأداء والإيقاع
لا يكفي في دراسة الشعر الشعبي الاكتفاء بتحليل الكلمات والمعاني، لأن كثيراً من أنواعه يرتبط بالأداء الجماعي والإيقاع وطريقة الإنشاد والحركة المصاحبة له.
ويتضح ذلك بصورة خاصة في الزوامل والمراجز، التي تناولناها من خلال النصوص التي أوردها الندبرج في كتابه (لهجة حضرموت). فقد أشرنا إلى ارتباط الزامل بالترديد الجماعي والمشي الراقص، وإلى دور الشاعر في تلقين أبياته للمرددين والمتزملين.
ويمكن للذكاء الاصطناعي، بمساعدة برامج تحليل الصوت، أن يسهم في دراسة التسجيلات الصوتية لهذه الفنون، وتحديد الإيقاعات المتكررة، ومقارنة طرائق الأداء، ورصد الاختلافات بين تسجيلات قديمة وأخرى حديثة.
كما يمكن استخدامه في المساعدة على تقطيع الأبيات، واستخراج القوافي، ومقارنة البنى الإيقاعية للقصائد، ولا سيما عند توافر تسجيلات واضحة ونصوص مكتوبة مقابلة لها.
ويمكن تطبيق ذلك أيضاً على أغاني السناوة، من خلال جمع تسجيلات مختلفة، ودراسة العلاقة بين الكلمات وطبيعة العمل الزراعي والإيقاع المصاحب له.
لكن التحليل الآلي لا يغني عن الاستماع النقدي، ولا يستطيع وحده تفسير الخصائص الجمالية والاجتماعية للأداء الشعبي؛ فهذه أمور تحتاج إلى معرفة الباحث بالفن وبيئته ووظيفته.
سادساً: بناء قاعدة بيانات رقمية للتراث الشعبي الحضرمي
من أهم المشروعات التي يمكن أن تخدم الأدب الشعبي في حضرموت إنشاء أرشيف رقمي منظم يجمع النصوص والتسجيلات والصور والمعلومات المتعلقة بالرواة والأماكن والمناسبات.
ويمكن أن يضم هذا الأرشيف أقساماً مستقلة للحكايات الشعبية، والشعر الشعبي، والزوامل والمراجز، والأمثال، والأغاني، والنوادر، وغيرها من الفنون.
ويُخصص لكل نص ملف يحتوي على تسجيله الصوتي إن وجد، ونصه المكتوب، واسم الراوي، ومكان جمعه، وتاريخ توثيقه، والملاحظات المتعلقة برواياته المختلفة، والمفردات المحلية التي يتضمنها.
كما يمكن إتاحة خاصية البحث داخل الأرشيف، بحيث يستطيع الباحث الوصول إلى جميع النصوص التي تتضمن مفردة معينة، أو التي تتناول موضوعاً محدداً، أو التي تنتمي إلى منطقة جغرافية بعينها.
ومن الممكن أن تبدأ هذه المبادرة بمادة الكتاب الحالي، ثم تتوسع بإضافة ما يتوافر من مجموعات شعرية ومخطوطات وتسجيلات وأبحاث سابقة، مع مراعاة حقوق أصحاب النصوص والتسجيلات، والحصول على موافقتهم عند الاقتضاء.
وسيساعد هذا المشروع على تجاوز مشكلة تفرق المادة الشعبية بين الكتب والمجموعات الخاصة وذاكرات الرواة، ويجعلها أكثر سهولة في الوصول والاستخدام العلمي.
سابعاً: تدريب نماذج لغوية على اللهجة الحضرمية
من المشروعات المستقبلية المهمة تدريب نماذج لغوية تعتمد على مادة موثقة من اللهجة الحضرمية، بحيث تصبح أكثر قدرة على فهم مفرداتها وتراكيبها وتنوعاتها المحلية.
ويمكن أن تبدأ هذه العملية بتجميع نصوص موثوقة من الشعر والحكايات والأمثال والزوامل والمراجز، وإعدادها وتصنيفها ومراجعتها لغوياً، ثم استخدامها في تدريب نموذج لغوي أو تكييف نموذج موجود ليتعرف على خصائص اللهجة الحضرمية.
وقد يساعد ذلك مستقبلاً في تفريغ التسجيلات بدقة أكبر، والبحث عن معاني المفردات، والتعرف على التعبيرات المحلية، وتقديم اقتراحات أولية لتصنيف النصوص وتحليلها.
غير أن نجاح هذا المشروع يتطلب توافر مادة لغوية كافية ومتنوعة، تمثل مختلف مناطق حضرموت وأجيالها وفنونها، ولا تقتصر على نصوص منطقة واحدة أو نمط أدبي بعينه. كما ينبغي أن تخضع النتائج لمراجعة الباحثين والمتخصصين وأبناء اللهجة.
ثامناً: الذكاء الاصطناعي والقراءة النقدية الثقافية المقارنة
لا ينبغي أن يقتصر توظيف الذكاء الاصطناعي على جمع النصوص وتفريغها وتصنيفها، بل يمكن أن يمتد إلى مساعدة الباحث في إجراء مقارنات أدبية وثقافية بين النصوص الشعبية الحضرمية وغيرها من النصوص.
فيمكن، مثلاً، الاستعانة به في إعداد قوائم أولية بالموضوعات والصور والتعبيرات المشتركة بين الحكايات الحضرمية والحكايات العربية أو العالمية، أو مقارنة حضور النخلة في الأمثال الشعبية الحضرمية بحضورها في أمثال مجتمعات أخرى.
كما يمكن استخدامه في دراسة صورة المرأة في الشعر الشعبي النسوي، ومقارنة التعبيرات المتعلقة بالعمل والزواج والأسرة في نصوص مناطق مختلفة، أو تتبع حضور بعض الشخصيات والرموز الشعبية في الروايات المتعددة.
ومن الممكن كذلك الاستعانة به في الكشف الأولي عن الموضوعات الاجتماعية والسياسية التي تعكسها الزوامل والمراجز، وعن كيفية توظيف الشعر الشعبي في التعبير عن الصراعات والتحولات التاريخية.
لكن هذه المقارنات ينبغي أن تظل منطلقاً لأسئلة الباحث وليست نتائج نقدية جاهزة؛ لأن تفسير الرموز والصور والعلاقات الثقافية يحتاج إلى معرفة تاريخية واجتماعية وسياقية لا توفرها المقارنة الآلية وحدها.
خاتمة: نحو مشروع لتوثيق الذاكرة الشعبية الحضرمية
يتضح مما سبق أن الذكاء الاصطناعي يتيح فرصاً واسعة لتطوير البحث في الأدب الشعبي الحضرمي، بدءاً من جمع النصوص وتفريغ التسجيلات الصوتية، مروراً بمقارنة الروايات واستخراج المفردات وبناء المعاجم الإلكترونية، وصولاً إلى تصنيف الفنون الشعبية ورسم خرائط انتشارها وإنشاء قواعد بيانات ونماذج لغوية متخصصة.
ولعل من المناسب أن تبدأ الاستفادة العملية من هذه التقنيات بمشروع محدود وقابل للتنفيذ، يتمثل في إنشاء أرشيف رقمي تجريبي لمادة كتاب (دراسات في الأدب الشعبي في حضرموت)، مع إضافة تسجيلات صوتية جديدة لبعض النصوص التي أوردها الكتاب، ولا سيما الزوامل والمراجز وأغاني السناوة والحزايا. وبعد ذلك يمكن توسيع المشروع تدريجياً ليشمل نصوصاً وروايات جديدة من مختلف مناطق حضرموت.
ومع ذلك، ينبغي التأكيد أن الذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته، لا يستطيع أن يحل محل الراوي الشعبي الذي يحمل ذاكرة التجربة، ولا محل الباحث الذي يمتلك المعرفة باللغة والسياق والتاريخ وأدوات التحليل النقدي. كما أن النص الذي ينتجه البرنامج قد يتضمن أخطاء أو إضافات غير موجودة في الرواية الأصلية، ولذلك يجب التحقق من كل معلومة بالعودة إلى مصدرها.
إن القيمة الحقيقية لهذه التقنيات لا تكمن في أن تكتب لنا دراسة عن الأدب الشعبي، وإنما في أن تساعدنا على جمع مادة أوسع، وحفظها بصورة أفضل، وتنظيمها، وإتاحة مقارنتها وتحليلها بطرائق لم تكن متيسرة للباحث من قبل.
ولعل حضرموت، بما تمتلكه من رصيد غني من الحكايات والأشعار والأمثال والأهازيج والمعارف الشعبية، تحتاج اليوم إلى مشروع علمي مشترك يجمع الباحثين والمهتمين بالتقنية والرواة وأصحاب الذاكرة الشعبية، من أجل تحويل هذا الرصيد المتفرق إلى ذاكرة رقمية موثقة، تحفظ للأجيال القادمة جانباً مهماً من تاريخ المجتمع وثقافته وهويته.
فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يساعدنا على إنقاذ ما تبقى من الذاكرة الشعبية، لكن مسؤولية جمعها والتحقق منها وفهمها وتفسيرها تظل مسؤوليتنا نحن.