بعد مرور أكثر من عام.. الصين تواجه اتهامات بإحباط جهود الكشف عن منشأ #كورونا
[su_post field=”post_date”][su_spacer size=”10″]
[su_label type=”warning”]كريتر نيوز/متابعات[/su_label]
بعد مرور أكثر من عام على ظهور فيروس كورونا، يبدو أن البحث في أصوله تعذر مع تشديد الصين قبضتها على عمليات البحث والتحقق، مصعبة بذلك المراجعة التي يرى كثيرون أنها ضرورية لمنع ظهور أوبئة مستقبلية، وذلك وفقاً لما كشفه تحقيقان لوكالتي “أسوشيتد برس”، و”بلومبرغ” الأميركيتين.
وقالت “أسوشيتد برس” إن الحكومة الصينية تتحكم بشكل صارم في جميع الأبحاث التي تتناول أصول الفيروس، وتضيق الخناق على بعضها في الوقت الذي تروج فيه بقوة لنظريات هامشية تشير إلى أن الفيروس غير صيني.
ومع أن الحكومة الصينية قدمت مئات الآلاف من الدولارات في شكل منح للعلماء الباحثين عن أصول الفيروس في جنوب الصين والمنتسبين للجيش، لكنها تراقب النتائج التي يتوصلون إليه وتفرض الحصول على موافقة مسبقة من قبل فريق عمل جديد يخضع لإدارة مجلس الوزراء، بموجب تعليمات مباشرة من الرئيس شي جين بينغ، قبل نشر أي بيانات أو أبحاث، بحسب وثائق داخلية حصلت عليها وكالة “أسوشيتد برس”.
ويؤكد تسريب نادر من داخل الحكومة، وهو عبارة عن عشرات الصفحات من وثائق غير منشورة، شكوكاً ساورت كثيرين على مدى فترة طويلة مفادها أن التضييق يأتي من قمة الهرم، ونتيجة لذلك، لم يتم الإعلان سوى عن النزر اليسير من المعلومات في ظل المحاذير التي تفرضها السلطات، والقيود التي تكبل بها أي استعداد للتعاون مع العلماء الدوليين.
هذه الرقابة الصارمة أدت، بحسب “أسوشيتد برس”، إلى تأخير التحذيرات بشأن الوباء، وحالت دون مشاركة المعلومات مع منظمة الصحة العالمية، وأعاقت الاختبار المبكر.
تقييد النشر
وقال خبير في الصحة العامة يعمل بانتظام مع مركز مكافحة الأمراض والوقاية منها في الصين، رافضاً الكشف عن هويته خوفاً من العقاب: “تعمل الفرق العسكرية وغيرها بجد على هذا الأمر، لكن مسألة النشر تعتمد فقط على النتائج”، إذ يخشى القادة الصينيون من أي نتائج يمكن أن تشير إلى أن انتشار الفيروس كان بسبب إهمالهم.
بدأت القيود على النشر في وقت مبكر، فمنذ بدء المرضى في التوافد على المستشفيات المجاورة لسوق ووهان للمأكولات البحرية، في منتصف يناير الماضي شرع باحثو مركز مكافحة الأمراض والوقاية منها الصيني في جمع 585 عينة بيئية من مقابض الأبواب ومياه الصرف الصحي وأرضية مبنى السوق، وقامت السلطات برش المجمع بمواد مطهرة.
وتظهر بيانات المركز الداخلية أنه بحلول 10 و11 يناير 2020، كان الباحثون يجرون تسلسلاً لعشرات العينات البيئية من ووهان، وأرسل جاري كوبينجر، عالم الميكروبات الكندي الذي يعمل مستشاراً بمنظمة الصحة العالمية، رسالة بالبريد الإلكتروني إلى زملائه ليعرب عن مخاوفه من أن الفيروس قد نشأ في هذا السوق.
“هذا الفيروس (كورونا) قريب جداً من سارس”، حسبما كتب كوبينجر في 13 يناير، مضيفاً: “إذا نحينا فكرة المصادفة جانباً.. فسوف أبحث الخفافيش التي كانت موجودة في هذا السوق (التي تباع فيه الحيوانات البرية)”.
وبحلول نهاية يناير، أعلنت وسائل الإعلام الحكومية الصينية أن نتائج اختبارات 33 عينة بيئية جاءت إيجابية، وفي تقرير موجه إلى منظمة الصحة العالمية، قال مسؤولون صينيون إن 11 عينة كانت مشابهة لفيروس كورونا المستجد بنسبة تزيد على 99%.
ومع استمرار انتشار الفيروس بوتيرة متسارعة في فبراير، نشر العلماء الصينيون مجموعة من الأوراق البحثية حول كوفيد – 19. واقترحت ورقة أعدها عالمان صينيان -بدون دليل مادي – أن الفيروس ربما تسرب من مختبر في ووهان قريب من السوق، وعلى الفور تم سحب هذا البحث.
وتبين الوثائق الداخلية أن الدولة بادرت على الفور بفرض موافقة مسؤولين حكوميين رفيعي المستوى على جميع دراسات فيروس كورونا في الصين، وهي السياسة التي يتهمها منتقدوها بإعاقة الجهود البحثية، كما صدرت تعليمات لمركز مكافحة الأمراض والوقاية منها في 24 فبراير بعدم مشاركة أي بيانات أو عينات أو معلومات أخرى تتعلق بفيروس كورونا مع معاهد أو أفراد من الخارج.
بعد صدور هذه الأوامر، تراجعت وتيرة تدفق الأوراق البحثية بدرجة كبيرة، وعلى الرغم من عودة باحث مركز مكافحة الأمراض والوقاية منها في الصين، ليو جون، إلى السوق نحو 20 مرة لجمع ما يقرب من 2000 عينة على مدى الشهور التالية، لم يُنشر شيء عما تم كشفه.
تقييد البحث العلمي
وبعد أن تبين أن السوق يمثل طريقاً مسدوداً في رحلة البحث عن مصدر الفيروس، أولى العلماء مزيداً من الاهتمام بالبحث عن الفيروس في مصدره المحتمل الآخر، وهو الخفافيش.
على بعد 1000 ميل تقريباً من السوق الرطب في ووهان، تسكن الخفافيش متاهة الكهوف الجيرية القابعة تحت الأرض في مقاطعة يونان، وقال سكان القرية إن الكهف كان يستخدم كمكان مقدس يرأسه راهب بوذي من تايلاند.
قرع هذا الاتصال بين الخفافيش وأشخاص يصلون أو يصطادون أو ينقبون في الكهوف أجراس الخطر عند العلماء، فالشفرة الجينية لدى فيروس كورونا تتشابه بشكل لافت مع تلك الموجودة في فيروسات كورونا الخفاشية، ويشتبه معظم العلماء في أن كوفيد – 19 انتقل للبشر إما بشكل مباشر من خفاش، أو عبر حيوان وسيط.
وعلى الفور، شرع العلماء الصينيون في اختبار الحيوانات المضيفة المحتملة. وتظهر السجلات أن شيا شيويشان، الخبير في الأمراض المعدية، تلقى 1.4 مليون يوان صيني (ما يعادل 214 ألف دولار أميركي) كمنحة لفحص الحيوانات في يوان من كوفيد – 19.
ثم بدأت القيود الحكومية، ولم تُعلن حتى الآن بيانات العينات، وعلى الرغم من أن شيا شارك في تأليف أكثر من 10 بحوث، تبين بحسب مراجعة أجرتها “أسوشيتد برس” أن اثنين فقط منها كانا عن كوفيد – 19، ولم يركز أي منهما على منشأ الفيروس.
واليوم، تخضع الكهوف التي قام العلماء بزيارتها ومسحها يوماً ما، لرقابة دقيقة من قبل السلطات.
جهود منظمة الصحة العالمية
وبحسب وكالة “بلومبرغ”، فقد أعاقت الصين أيضاً، الجهود التي بذلتها منظمة الصحة العالمية خلال هذا العام لإدخال أفضل خبراء العالم في الأمراض المعدية إلى ووهان، ما حال دون قيامهم بأعمال التحري الوبائية، من خلال فحص عينات من مياه الصرف الصحي بالمدينة، إلى فحص عينات المرضى التي تم جمعها قبل شهور من ظهور الوباء من أجل تعقب العامل المتسبب في المرض.
والآن، مع اهتمام فريق منظمة الصحة العالمية بتعقب أصل الفيروس على أمل زيارة ووهان في يناير، وتكليف طاقم من قبل مجلة “لانسيت” الطبية بالشأن نفسه، ربما لم يبق لدى المدينة الكثير لتكشف عنه، بحسب “بلومبرغ”.
لقد عادت الحياة إلى طبيعتها بدرجة كبيرة لسكان ووهان البالغ عددهم 11 مليون نسمة، والذين كانوا أول من عانى من الإغلاق الذي يخيم الآن على أجزاء من أوروبا وأمريكا الشمالية للمرة الثانية.
وقال روبرت سكولي، طبيب الأمراض المعدية بجامعة كاليفورنيا، رئيس تحرير مجلة “كلينيكال إنفكشوس دزيزس”: “هذه أمور يصعب إنجازها بأثر رجعي، حتى لو كانت كل الأدلة لا تزال قائمة”.
نظرية المنشأ الخارجي
حتى في الوقت الذي سيطرت فيه السلطات على الأبحاث في الصين، قامت هذه السلطات بالترويج للنظريات التي أشارت إلى قدوم الفيروس من مكان آخر.
وأظهرت السجلات أن الحكومة الصينية أعطت بي يوهاي، العالِم في الأكاديمية الصينية للعلوم، الذي تم توظيفه لقيادة أبحاث أصول الفيروس، منحة بقيمة 1.5 مليون يوان صيني (ما يعادل 230 ألف دولار)، وأشار بحث شارك يوهاي في إعداده إلى أن تفشي الفيروس الذي حدث في أحد أسواق بكين في يونيو ربما كان ناتجاً عن عبوات السمك المجمد الملوث القادم من أوروبا.
واستخدمت وسائل الإعلام الصينية الخاضعة لسيطرة الحكومة هذه النظرية للإشارة إلى أن تفشي المرض الأصلي الذي ضرب ووهان ربما بدأ عبر مأكولات بحرية مستوردة من الخارج، وهي فكرة يرفضها العلماء الدوليون، فقد قالت منظمة الصحة العالمية إنه من غير المرجح أن يصاب الناس بكوفيد – 19 عن طريق أطعمة معبأة، وإن الإشارة إلى أن “كوفيد – 19” لم يبدأ في الصين “تخمينية للغاية”.
ضعف التعاون الدولي
ويحذر بعض خبراء الصحة العامة من أن رفض الصين منح العلماء الدوليين المزيد من فرص التعاون قد وضع التعاون الدولي، الذي حدد مصدر تفشي فيروس “سارس” قبل نحو عقدين من الزمان، على المحك.
ووصفت جونا مازيت، المدير التنفيذي المؤسس لمعهد “يو سي ديفيز وان هيلث” الصحي، عدم التعاون بين العلماء الصينيين ونظرائهم الأمريكيين بأنه “مخيب للآمال”، وعدم قدرة العلماء الأمريكيين على العمل في الصين بأنه “مدمر”، وفقاً لما نقلته “بلومبرغ”.
وأضافت: “نحن بحاجة إلى أن نتراجع خطوة إلى الخلف.. وأن نترك العلماء يصلون إلى الإجابة الحقيقية دون توجيه أصابع الاتهام إلى أي طرف من الأطراف”.
بدورها قالت وزارة الخارجية الصينية: “لقد تم اكتشاف فيروس كورونا المستجد في أجزاء كثيرة من العالم”، وأضافت، بحسب “أسوشيتد برس”: “يجب أن يجري العلماء بحوثاً علمية وأن يتعاونوا على نطاق عالمي”.
ويؤكد بعض العلماء الصينيين أن المشاركة المحدودة للمعلومات إنما تعود ببساطة إلى أنه لم يتم حتى الآن اكتشاف شيء ذي أهمية”.
وقال تشانغ يونغ تشن، عالم الفيروسات الصيني ذائع الصيت: “إننا نواصل البحث، لكننا لم نتوصل إلى أصل الفيروس حتى الآن”.