آداب وفنون

حديثُ الراحلين .. لا أريد الإنجاب

خاطرة / بقلم: بلقيس أحمد

 

بعد فقد أحد الوالدين نصبح بلا ملاذ ولا مأوى نصبح تائهين بلا مقصد في هذه الحياة نظل نتخطف بين حنايا الذكريات نذكرهم بلا أي معنى غير أنين الصدور.

ذات مره سمعتُ أحدهم يقول أنه لا يريد الإنجاب أياً كان جنس المولود خوفاً أن يذيقه مرارة الفقد الذي ذاقه وكله أعتذار ويريد الله أن يسامحه على ماهو عليه.

لم يلفت انتباهكم لِمَ اختار ألا ينجب وبالمقابل كنتم تتذمرون على عقليته المتحجرة وأسلوبه القديم .

أقول معقباً على ماسبق .
الذي قال العبارة كانت عيناه مليئة بالدموع وجفنه السفلي متورم وخده أصبح مجرىً محدداً للدموع التي تنسكب من عينيه، ويداه ترتجفان ولم يستطع أن يتحكم بهما لإيقافهما ليس خوفاً من قول العبارة لكن خوفا أن يعاقب على مايفعل.

لنتصور الأتي

كيف أنه ذاق ألم فقد أمه عند السادسة من عمره في وقت الغروب في منظرٍ لا ينسى ولا يمحى من الذاكرة وهي ممتدة على حجره وتلتقط أنفاسها الأخيرة .

تركته كأبيه الراحل وهو لم يرى مصابيح الدنيا بعد. كان عمره أنذاك لم يبلغ الست الأشهر في رحم أمه ليبشر برحيل أسمى رجُل على الأرض وحين أتَى إلى الدنيا لم يكن لديه من يناديه بكلمة تشعره بدفء لم يرى معالم أبيه سوى بين طيات الصور وحنايا حديث أمه لم يتمكن من قطع الشارع وزيارة المستشفى والذهاب إلى المدرسة إلا بمفرده بلا أب .

كان يتقدم اسمه دائماً باليتيم لأن هذا الاسم لا ينسى كان كلما تذكر أبيه دعا نفسه به لكي ينسى وبالأحرى حتى لاينسى أنه يتيم بلا أب كم من مرة كتبها في بداية كراساته الدارسية كنوع من التخليد .

وحين بلغ السادسة من عمره وفي نفس يوم مولده تركت يديه هذه المرة لكن بيدين مرتعشتين خوفاً من رحيلها.. هي الأخرى بكل صدمة تركها بين حنايا حفرة وقاد موكباً يطويه الأسود ليستقبل التعازي فحين علق في ذلك المكان حيثُ كشف عن وجهها المنير في لحدها المعتم ونثر عليها من دمعاته بدلاً عن التراب ليربت على كتفيه شيخاً بمعناها أن ينهض ويخرج لينثر عليها التراب وبدون أي تساؤل تركها هناك إلا أنه علق ولم يغادر .

الآن وقد بلغت من الكبر عتيا وليس له ولد ولا ابنه لا يتركهما كما تركاه وحيداً طيلة عمره البأس الذي لم يشعر أنه تحرك إلا بضع خطوات لا أكثر .

كتبتُ هذا لأخبركم أن الفقد يخلد كالتاريخ تماماً لا يتغير .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى