آداب وفنون

«ثمة اعترافات» قصة قصيرة لـ نعمة خالد

كريتر نيوز/خاص

في إحدى الأيام، تجاذبتُ أطراف الحديث مع إحدى المعلمات الراقيات في المدرسة، كان الأمر في البداية سطحيا، بدءًا من عند ” لقد أصبحت لا أطيق أحدًا حتى نفسي” التي قلتها بنفاذ شغف. دخلنا في مواضيع عميقة كأنما أجلس أمام أديبٍ يختبئ خلف رفوف مكتبته غير متصل بالعالم السخيف الذي يسبح في ترهات الخارج وخُزعبلاته. لقد كانت إحدى رغباتي التي وددت أن تتحقق يوما ما، أن أجد شخصا واعيًا يفهم مقصود الكلام مهما كان ملعثمًا…
شعرت بأني حقا قد غصت في بحر الذات بغتة، هكذا تشبثتْ بأكف حيرتي وقلقي ثم أخذتني إلى عوالمٍ تختلف تماما عن العالم هذا الذي بات سطحي التفكير…
ربما التجارب التي مرت بها هي التي جعلتها تسرد كلما خلج بخاطرها بسلاسة جعلتني أصغي كطفل صغير يستمع إلى أحدوثة يشوقه بها جده التسعينيّ…
تساءلتْ عن سبب انسحابي عن سبب انسحابي من حياة الكثير من الأصدقاء بعدما أخبرتها بذلك، فأجبتها بكل وضوح: أنني لا أود إيذاء مشاعر أحد بتهميشي المفرط لي ولهم أيضًا…
ابتسم وجهها المليء بالحياة رغم موت الكثير من المشاعر في حرب القدر التي خاضتها وربما ما زالت تخوضها حسبما تخبرني عيناها.

همست بحب: من يحبكِ حقّا لن يؤلمه تهميشك مهما قسوتِ معه، بالعكس ستكون تلك فرصته ليثبت مدى تشبثه بك وخشيته من أن يجرفكِ الحزن إلى جزر المتاهات البعيدة.

لمعت عيني التي هاجرتها الدموع منذ زمن بعيد ثم قلت: إنني لأؤمن بمقولة” صديق الجميع ليس صديقًا لأحد” في الحقيقة أملك الكثير من الأصدقاء لكنني حقا لا أملك صديقا واحدًا إلا ذاتي التي بات يهلكها تجاهلي لاستنجاداتها بينما تقضمها التراكمات ويغرس الشتات براثنه فيها.

كل الأصدقاء الذين وثقنا بهم هاجروا مع مهب الريح دون تلويحة حتى.

التشبث بمن نعزّ ونحب يشبه التشبث بعود الكبريت الذي تسيح فيه النيران ببطء حتى تهاجم السبابة والإبهام وتلسعها بحدة.

صفقت كفيها التي أحسد كل من يعانقها لدفء الأمومة الحاد فيها ثم قالت:
صحيح ما قلتِ، ففنّ التخلي أمر صعب لكنه في النهاية طوق نجاة من مآسٍ ستجرف الروح من مرسى العناء إلى أعماق بحور اللانسيان المتشعبة.

ولكن حذار تخبري أحدا بأنك ستتخلين عنه، فقط انسحبي رويدا حتى يدرك من نفسه بأنك ترغبين المواصلة حقا، لكن بمفردكِ.

الكثير من الأمور كان من الصعب علي تجاوزها، لكن ميزة فن التخلي التي منحني الله إياها نعمة عظيمة .. تلتقطني دائمًا من بين رُكام أي خيبة ترغب المكوث في داخلي ثم ما تلبث إلا أن يُقطع رأسها بسيف التخلي.

الحياة يا عزيزتي مهما كانت شاقة فإن هناك نجاة تكمن داخل ذلك الشقاء.

مضى الوقت سريعًا مع أستاذة القرآن التي لم أكن أعلم أبدا بأنها تخفي خلف قناع تلك البشاشة والفكاهة أمورًا أعظم بكثير…ختمتُ الحديث بقولي: سنعتاد لا بأس! مع أني لم أكن أرغب بأن ينتهي الحديث معها… تمنيتُ لو كانت معلمتي للقرآن لكل سنواتي التي مرّت، فقد كانت تمسح على جروح تساؤلاتي المؤلمة بأحرفها الشافية وتعانق تيهي رغم المسافة التي كانت تفصل بيننا… تعلمتُ بعدما ترنمت أجراس انتهاء الحصة بأن الصدف الجميلة هي تلك التي تعرفك بأشخاص يزيلون سوء أشخاص الماضي، لتخبرك بأنه رغم امتلاء الحياة بالذين لا يريحهم إلا الاستيلاء على سعادات الآخرين بأن هناك من يود الاستيلاء على أحزان الآخرين وإبادتها… تفضلتُ إلى الصفّ وألقيتُ التحية على تلاميذي وأصبتهم بعدوى التفاؤل التي ضُخت بين أوردتي وعيني تضحك ومحياي ملطّخ بالأمل… لم تكن من عشاق القراءة كثيرًا ولكنها ربما تعشق قراءة العالم من حولها إذا تعتبر كل شخص كالكتاب لا يعنيها جمال غلافه بقدر ما يعنيها محتواه الداخلي ومايكمن… لم تغُص في كتب التنمية البشرية بل غاصت بين آيات الله العظيمة التي أغنتها عن كل ذلك… لم تتحدث بتلك القوة إلا بعد ضعفٍ بالغ ساد روحها لكنها استجمعت قواها ووقفت من جديد.

زر الذهاب إلى الأعلى