مقالات وآراء

رحلتي إلى الكلية

كتب/عوض عبدالرب الشعبي

على متن باص كلية التربية يافع وفي يوم شتوي من أيام عدن الحانية، صعدت في مقعدي المفضل كالمعتاد بجانب النافذة اخذتُ أراقب تلك العيون التي التحفتُ الفقر في مدينتي وهي تمر من أمامي بدون شعور واحساس بما يخبى لها القدر، مددتُ رجلي إلى أقصى مدآها وأسترخيتُ بمقعدي مع بدء تحرك الباص ونسمات الشتاء تلاطف وجهي.

أخذتُ نفساً مع تنهيدة عميقة أجزم أن كل بطن خاوية فوق تراب مدينتي قد سمعها، حتى أهتز كل من بالباص من أنين أهاتي، خلدتُ إلى عالمي واخذتُ أبحث في رأسي عن تفاصيل مامر في حياتي من ذكريات حتى صحيتُ على أريج الفل والكادي في بساتين الحسيني، اخذتُ أنظر واوزع النظرات يمينا ويسارا واخضرار الحقول من حوالي يتملك شجوني، لفت نظري بين الحقول فلاحات ذواتي أجساد سمراء ونحيلة نخرها الجوع، لا أعلم بنوع عملهن، ولكني أعلم بجوعهن المرسوم على اجسادهن.

خرجنا من الحسيني وجسره الذي يحوم حواليه كثبان الرمال وينعدم فيه جريان المياه، أخذنا السير نحو طريقنا المعتاد، برودة الشتاء تشتد كلما ارتفعنا ودنى غسق المساء، أخيراً اهتديتُ إلى النوم، وهذا ليس من عادتي فأنا تقريبا لا أنام في السفر، لكن شدة التفكير قد أرهقني كثيرا ولم أشعر إلا وأنا في وادي يهر،

برودة الوادي مع ريحان شجرة البن يعانق جسدي، في هذه ألاثناء لم أجد ما التحف به سوى بعض همساتي لعلها تؤنسني وتدفيني من برد الوادي، في الوادي الجبال تحيط بنا، والسماء يكسوها الغيوم، ولا وجود لضوء القمر والنجوم.

ما هي إلا لحظات حتى تركنا الوادي خلفنا، وبدأنا الصعود بالجبال العاليات، أرتفعنا رويداً رويداً حتى تعدينا نقيل الخلا ذلك النقيل المطرز بالاروان والمخضب بضباب الشتاء…هنا توقفت الألسن عن الحديث، وتجمد الدم في العروق، وبهت من في الباص من برودة الشتاء.

يا الهي!!! ما هذا يكاد جسمي من البرد مرتجفا كالغصن في الريح متحرك، أكادُ اتجمد، أخيراً يعلن ربان رحلتنا عن وصولنا سكن الكلية، لملمتُ جسدي وخرجتُ مسرعاً من الباص وأرتميتُ في حضن غرفتي، مستسلمً لبرد الشتاء.

زر الذهاب إلى الأعلى