مقالات وآراء

حرية التفكير والتعبير وفقا للمنظور الإسلامي

كتب/ محمد مرشد عقابي

حرية الفكر والاعتقاد تنقسم إلى شقين أولهما يتمثل في إرادة الفكر والمقدرة الإنسانية الذاتية على اختيار الفكرة والعقيدة والآخر هو تعبير الإنسان عن ما يعتقد به أو يبشر بما يعتقد به بالوسائل العامة والخاصة، أما إرادة التفكير فـ هي إرادة حرة مطلقة تعبر عن إمكانية حركة العقل التي لا تقف عند حدود إلا فيما يتعلق بأسرار الغيب (ولا تقف ما ليس لك به علم)، لأنها أسرار مغيبة أساسا عن عقل الإنسان وعند محاولة فك هذه الأسرار ستحصل للإنسان شبهات يعجز عن حلها بسبب افتقاده أدوات المعرفة الموصلة لها باستثناء آثارها المحسوسة.

والإرادة المطلقة على التفكير تصاحبها ضوابط تتعلق بالمسؤولية والجزاء الأُخروي (إنّ السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤلا)، وهناك قيد آخر يتعلق بعدم إمكانية التحرر والتجرد من كل الأفكار والضوابط على النحو المطلق، ومنها مثلا القواعد المنطقية التي تقود إلى التفكير الصحيح أو التفكير المنطقي بدل التفكير الحر المطلق.

والتفكير الصحيح هو نتاج الحرية الفكرية الإيجابية بينما تؤدي الحرية الفكرية السلبية إلى أن يضع الإنسان لنفسه نماذج فكرية معينة يخير نفسه بينها أو يفرض على نفسه أنموذجا خاصا، وهذا جزء من الإرهاب الفكري الذي يمارسه الإنسان ضد نفسه وضد الآخرين، كما في الأفكار الصنمية النمطية التي بلورت وأنتجت العقلية الغربية عبر الزمن وكبلتها بهذه القيود سواء في ما يتعلق بالذات أو الآخر أو باقي موضوعات الحياة.

ويؤكد القرآن الكريم في الكثير من الآيات على إرادة الإنسان الحرة في اختيار الفكرة والعقيدة التي ينسجم معها والتي يتحمل مسؤوليتها وحده في الدنيا والآخرة: (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي)، وفي آيات أخرى: (أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين)، (فذكر إنما أنت مذكر ” لست عليهم بمصيطر)، (من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)، ويستفاد من هذه الآيات في مجال التعايش والتفاهم مع أتباع الديانات الأخرى وعدم إلغاء العقائد الأخرى وعدم التعرض لحرية أتباعها لكنها تحملهم مسؤولية عدم ممارسة أي خطاب أو سلوك من شأنهما المساس بوحدة مجتمع المسلمين وأمنه.

أن إرادة الإنسان وحريته الذاتية المطلقة في الاختيار وفي اتباع ما يختار من أفكار ومعتقدات لا تعني وفق التصور الإسلامي أن هذه المعتقدات مجزية أمام الله، وإن كان المسلمون (أفرادا وجماعات ونظم) لا يحاسبون معتنقيها على مايعتقدون به إلا إذا أدت إلى مفسدة اجتماعية، أي أن الله هو الذي يحاسب الإنسان على معتقداته حصرا، بعد أن أعطاه العقل وجعله حجة عليه وبعث الأنبياء والرسل ليتبعهم الناس (ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزوا)، بل أن الله لايحاسب ولايعذب قبل أن يلقي الحجة على الإنسان ويذكره وينذره (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا).

أما حرية التفكير والاعتقاد فهما شيئان فطريان لدى الإنسان كما أسلفنا، إلا أن التعبير عن الفكر والمعتقد ليس أمرا فطريا، وهما بذلك يشبهان الحب والبغض فهما فطريان بذاتهما ولكن التعبير والإعلان عنهما يرتبطان بالعلاقة مع الآخرين والتأثير عليهم سلبا او إيجابا، وعند هذه النقطة نصل الى الشق الثاني من موضوع الحرية الفكرية والمتمثل في حرية التعبير عن الفكر، فـ مديات حركة التفكير وحدودها تتوقف على طبيعة الأساليب المستخدمة فيها فهناك ثوابت عقلية في هذا المجال يمكن أن تشكل قاسما مشتركا “كلمة سواء” بين المدارس الفكرية التي تدعو لحرية الرأي والكلمة بما فيها المدرسة الإسلامية.

ومن أبرز هذه الثوابت أن تكون أساليب التعبير عن الفكر أو الشك أو الرأي أساليب موضوعية وسليمة وغير عدوانية ولا تهدف أو تنتهي إلى إثارة فتنة أو بلبلة اجتماعية، وما تختص به المدرسة الإسلامية هو الإنطلاق في ممارسة حرية التعبير وفي تحديد الموقف منه من موقع المسؤولية المناطة بالإنسان على الأرض أي موقع الخلافة الربانية، ومسؤولية الكلمة في الحياة الدنيا أمام الأمة والنظام الاجتماعي وفي الآخرة أمام الله (وقفوهم إنهم مسؤولون).

أما وسائل التعبير فتشتمل على الإعلان العام والخاص والحوار عبر وسائل الاتصال المباشر وغير المباشر، وللتعبير أيضا مرتبتان الأولى تتمثل في توضيح الفكر والمعتقد والدفاع عن الموقف الفكري والعقدي، والثانية في التبشير بالفكر ودعوة الآخرين اليها بالوسائل العامة والخاصة.

زر الذهاب إلى الأعلى