الوداع الأخير في 3 مايو2021م لـ “نبيل إسماعيل”.. للحبيب الغالي أبي!

2021-06-04 00:30:24

بقلم/ أ.غرام نبيل إسماعيل

٥٧عاماً و٥أشهر و٥أيام. كان هذا عُمر رجل جَعَل الله له من اسمه نصيباً يُدعى: نبيل إسماعيل محمد إبراهيم، وُلِد في ٢٩نوفمبر١٩٦٢م، في مديرية صيرة/كريتر/عدن، تعلّم ودَرَس حتى الجامعة، وعَمِلَ محاسباً في إدارة المال في ديوان المحافظة، وكَان ضليعاً متمرّساً في أعمال المحاسبة والإدارة والمكاتبة وغيرها، وتجِدُ عندهُ النصيحةَ الأجدى في العَملِ والحياة، ولكنَّ حياته، رحمه الله وغفر له، منذ نعومة أظافره لم تكن انسيابية يسيرة أبداً، إذ كان عُمره تسعة أعوام فقط، حينما بدأ بالعمل لدى الخياط عُمر، الذي كان خياطاً هندي الأصل من منطقة حيدر آباد في الهند، يمتلكُ محلاً  للخياطة في سوق كريتر. توالت الأعوام وتعلّمَ نبيل إسماعيل هُناك الخياطة على أصولها، كانت للخياط عُمر مكانة عظيمة ومعزّة لاتضاهى في قلب نبيل إسماعيل الذي كان شخصاً يُقدِّر من أحسن إليه ولو لمرة واحدة طوال عُمره ويستمرّ بإظهار الامتنان له في مجامع القوم. أجاد نبيل إسماعيل الخياطة كما لن يجيدها أحد، كانت خياطته متقنة واحترافية، لك مثلاً أن تتأمل كيف يسير الخيط على القماش الذي كان يخيطه مستقيماً لا اعوجاج فيه، كان هذا بنظره غيضٌ من فيضِ سرّ الخياطة المتقنة للهنود. تعلّم نبيل إسماعيل الكهرباء أيضاً في شبابه، وأخذ شهادة في الكهرباء من إحدى المعاهد. كان يقضي الساعات الطوال في تصليح كل ما يتعطّل في المنزل، لم يحتج يوماً لأي أحد ليصلح له ما تعطّل، كان الأمر سهلاً جداً بالنسبة لأهل بيته، فإذا تعطّل شئ، قالوا: خذوه إلى أبي فيقوم نبيل أبوهم بإصلاحه بشكل متقن يقلّ نظيره، ويقول لهم مازحاً بعد الانتهاء: عطّلوه بأسرع ما يمكنكم، تمام!. كانت الأمانة والدّقة سمتاه في أي عمل، وربما قضى ساعات طوال في إنجازِ ما بيدِه، كان يقول:(عليك أن تنجز كل شئ على أصوله، لا تستعجل)، كان سبّاكاً بارعاً أيضاً، حتى تصليح السيارات أجاده رحمه الله وغفر له. باختصار، قالها لنا في ما مضى، ومرّة واحدة في آواخر أيام حياته:(أنا صلّحت كل شئ في هذا البيت بيديّ، والآن، كل شئ تركته لكم)، تذكُّر هذه الجملة يهزُّ كياننا ويلعثم كل المفردات في بياننا، إذ لم نفهم ما قصده وقتئذ. أبي، جمعنا الله به في جنات الفردوس وجعل قبرَه روضةً من رياضِها آمين، أفنى عُمره في خِدمةِ أهله، وخيرُكم خيرُكم لأهله كما قال الصادِق المصدّق صلى الله عليه وسلَّم. كانَ نبيل إسماعيل مفوّهاً، جهوري الصوت، بليغ الحديث، متمكناً من فن الاقناع في الحقّ والخير، يتحدث لغات متعددة، لكنّه أحبَّ العربية وتمكَّن منها وحثَّ أولاده على الاستزادة منها، وكان ذا خطٍّ جميلٍ أيضاً، وإذا بادرناه بالقول: خَطُّكَ حُلوٌ يا أبي! يقول: لكنني كتبته بسرعة!، كان لا يُحبّذ أن يُمْدح، ويشدد على أنَّ الانسان يجب أن يتواضع، وكلما كان يذكر أيَّ نِعمةٍ أسبغها الله عليه، كان يسبق حديثه عنها بترديد: بفضلِ الله، الحمد لله. أخبرنا عن نفسِهِ حين كان يبلُغُ من العمر ١٦عاماً فقط، وكيف أنّه كان يقضي وقت ما بين المغرب والعشاء في المسجد يتعلّم فيه ويحفظ آي القرآن ويصلّي ويدعو الله أن يفتحَ عليه رزقاً حلالاً طيّباً، وقَد أجابه الله وسَتَره والحمد لله شكراً، على نِعَمِه شُكراً يترى. ولقد قال:(طوال عمري، ما دعوت الله بشئٍ إلا وأجابني، الدُّعاء مخُّ العبادة، فادعوا الله، والله كريم)، الله كريم! لطالما رددها وكررها بنبرة لا ننساها ما حيينا! الله كرييييم! نعم!. كان رجُلاً يحب أن يعيش حياته في نظام، ولطالما كرر: (يجب أن يوضع كل شئ في مكانه، تعلموا النظام وذروا الفوضى)، كم كان يكره الظلم والباطل، ويحرص على إقامة العدل بادئاً بأهله، وكان يقول متسائلاً:(من لم يكن لأهله، كيف يكون لغيرهم؟!) وكانت تضايقه كل تفصيلات الظلم، خصوصاً عندما يسمع أن أحداً ما يظلم أهل بيته ولا يوفّيهم حاجتهم ويقول: (هذه جريمة). وكان أيضاً يشدد على أهمية العمل وإتقانه، مردداً: “إنَّ العملَ عِبادة”، وأنهم في زَمنٍ مضى دَرَجُوا على قول: “من لا يعمل لا يأكل”. تحدّث مِراراً عن عدن النظام والازدهار والحيوية والنشاط منذ الصباح الباكر، ومرافق العمل والمصانع والمستشفيات والكُليّات وحتى التجنيد الإجباري خدمةً للوطن فيها. رجلٌ كنبيل إسماعيل عاش أوج الانتعاش الذي تلا الاستقلال، تحسّر كثيراً في أحاديثه، كغيره كثيرين، عمّا آلت إليه حال عدن، وبَذل ما بوسعه، بكل حنكة وعقل وتروٍّ ليعيش أولاده في ستر وعِزّةِ نفس لا ينقصهم شئ، والله لن يخيبه بكرمه ورحمته، ولن يُضلّهم بعده ولن يحرمهم أجره وسيخلفه فيهم ويخلف لهم خيراً.  فنبيل إسماعيل، عاش عزيز النفس، صلب الإرادة، يوّفي متطلبات بيته بيديه ساعياً لحاجاتهم حتى الصغيرة منها بقدميه، حتى أُمرِض وأعوذ بالله من كل ذي عينٍ حاقدة ونفس حاسدة. كان نبيل إسماعيل لايخشى إلا الله، ولا يخشى في الله لومةَ لائم، وكانَ مع ذلكَ متروّياً لا يتعجّل ويفكّر كثيراً بكل التفاصيل والاحتمالات قبل إقدَامِه على أي شئ خصوصاً عندما شبّ عن الطوق ووعى حقيقة الحياة، فلقد كان يُعلّق على حديثِ أيٍّ منّا يدّعي معرفة في الحياة ولو طفيفة بقوله: (وما الذي رأيته من الحياة أصلاً؟). حقّاً! ولاحول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم، لا أفظع في الحياة مما رأيناه بموتك يا أبي؟!. قال قائل:( أبي لن يكرره الزمن)، ونبيل إسماعيل لن يجود الزمان بمثله أبداً، كان ذا شخصيةٍ قويّة، وعقل راجح، وحُجّةٍ بالغة قويّة في الحق، لم يعش لنفسه قط، عاش لأولاده وأهل بيته، وضحّى بكل ما آتاه الله لهم، قالها حرفيّاً: (أنا سأخدمكم حتى آخر يوم في حياتي)، وكان يفعل ذلك بقلب راضٍ، إذ كان هدفه في الحياة سعادة أهله وأولاده، فهيهات أن يكون في الوجود رجلٌ مثله! أبي، نبيل إسماعيل، نُشهِدُ الله أنّك كُنت خير راعٍ في رعيته، ولم يكن في العالم قلبٌ أطيبُ من قلبك، كُنت ذا هيبةٍ ووقار، وعزةِ نفسٍ ورحمةٍ تبلغُ الأرجاء، كُنت شخصاًَ نقيّ السريرة، واضح الرأي، لا تُضمِرُ ما لاتُبدي، كُنتَ شخصاً يمقتُ النفاق، وكان وصفُكَ لأيّ شخصٍ بدر منه ما يسؤوك هو (عديم الأخلاق). كُنْتَ تُصِرُّ على التعليم وتراه أساساً في الحياة كالغذاء السليم، وهذا كان حِرْصُك الدؤوب وسعيُك الحثيث، كُنْتَ تشددُ أيضاً على إقامةِ الدين، تحرص على الصلاة، وتحثُّ أولادك منذ صغر سنّهم عليها قائلاً: (إنَّ تضييع الصلاة يجعلُ المرء مُضيَّعاً، فالصلاة تقول: ضيّعتني، ضيَّعكَ الله كما ضيعتني، فترى مُضيِّعَ الصلاةِ مُضيّعاً مهما كان) ولقد علمتنا ترديد ( لاحول ولاقوة إلا بالله) إذا ما جابهنا أمراً صعباً، وإنّا بالله مرددين إياها نستعينُ على مجابهة حقيقة أنك خرجت ظُهراً كديدنك ولم تَعُد منذ ذلكَ الوقت. فجزاكَ اللهُ عنا  يا أبي! يا نبيل إسماعيل، قوله تعالى:﴿ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمۡۚ ذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ﴾[ الزمر:  ٣٤ ]، وبإذن الله ومِنّه وكَرَمِه، يا نبيل إسماعيل، يا أبي، من ربّى ما مات فكم مات من خَلَّف ولكن عاشَ من ربّى وتعب وضحّى وبَذَل وسعى، عِشْتَ يا أبي عِشت! هكذا كُنْتَ تقول لمن أقْبَل عليك منّا يُقبّلُ يمينك ورأسك. رحِمَك الله وغَفَر لك وأعاننا على بِرّك بعد رحيلك ومواصلة العيشِ بدونك وجمرة الشوق إليك في اتّقاد. لقد كان من الصعب الكتابة عنك باستعمال(كان)، يا من كُنت في نظرنا أعظم (إنسان) لكن أل(إنسان) ككل ما في الأكوان، إلى أجلٍ مُسمى، ثُمَّ يُجزى الجزاء الأوفى. فالتسليم لأمر الله والصبر باحتسابك عنده أمر من يملك أمرنا فله الحمد على كل حال، إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرنا في مصيبتنا وأخلف لنا خيراً منها، اللهم اغفر لأبي نبيل إسماعيل وارحمه وارفع درجته في المهديين وأخلفه في عَقبه في الغابرين واجعل قبره روضة من رياض الجنة وتب عليه وأكرمه عندك كما أكرَمنا وهو عندنا واعف عنه وجميع موتى المسلمين. آمين

التعليقات مغلقة.