تهدد وحدة الاتحاد.. موازنة أوروبا 2028-2034 معركة «من يدفع ومن يحصل على ماذا»

كريترنيوز /متابعات /وام
تكثف العواصم الأوروبية مشاوراتها للتوصل إلى اتفاق بشأن الموازنة طويلة الأجل للاتحاد الأوروبي للفترة 2028-2034، في مفاوضات تتجاوز الحسابات المالية لتلامس مستقبل المشروع الأوروبي نفسه.
ويواصل رئيس المجلس الأوروبي، أنطونيو كوستا، اتصالاته للأسبوع الثاني على التوالي مع قادة الدول الأعضاء في محاولة لتقريب المواقف بشأن حجم الموازنة وتوزيع مواردها ومصادر تمويلها، وسط خلافات تتسع كلما اقترب النقاش من الأرقام والتفاصيل.
وتواجه أوروبا معادلة غير مسبوقة تتمثل في إنفاق أكبر على الدفاع والأمن والتكنولوجيا والصناعة والقدرة التنافسية، مع الإبقاء في الوقت نفسه على تمويل الزراعة والتنمية الإقليمية والتماسك الاقتصادي والاجتماعي.
يأتي ذلك في وقت تضغط فيه القيود المالية على حكومات عدة، ولا سيما الدول الكبرى المساهمة في الموازنة، ما يجعل زيادة التمويل الأوروبي قضية سياسية داخلية بقدر ما هي قرار أوروبي مشترك.
وتطرح المفوضية الأوروبية إطاراً مالياً يقترب من تريليوني يورو للسنوات السبع المقبلة، في زيادة كبيرة عن الموازنة الحالية.. غير أن السؤال لم يعد فقط كم ستنفق أوروبا، بل على ماذا ستنفقه، ومن سيدفع، وكيف ستوفر الموارد اللازمة لتنفيذ طموحاتها الاستراتيجية من دون تعميق الانقسامات بين دولها.
وتجد ألمانيا نفسها في قلب المعادلة.. فبرلين تؤيد تعزيز القدرات الدفاعية والصناعية الأوروبية، لكنها تتحفظ على زيادة كبيرة في مساهمتها المالية، في ظل ضغوط تواجه موازنتها الوطنية.
وتتقاطع هذه المقاربة مع مواقف الدنمارك وفنلندا والنمسا وهولندا والسويد، التي تدفع باتجاه موازنة أكثر انضباطاً وتركيز الإنفاق على الأولويات التي تعتبرها الأكثر إلحاحاً.
في المقابل، تخشى دول جنوب وشرق أوروبا أن يؤدي توجيه مزيد من الموارد إلى الدفاع والتكنولوجيا إلى تقليص الأموال المخصصة للزراعة وصناديق التماسك، وهي برامج لا تزال أساسية بالنسبة إلى اقتصادات تعتمد بدرجة كبيرة على التمويل الأوروبي.. ومن ثم، فإن المعركة لا تدور حول حجم الموازنة فحسب، بل حول إعادة توزيع القوة والمصالح داخل الاتحاد.
وتزداد صعوبة التفاوض مع بحث المفوضية عن مصادر إيرادات جديدة للاتحاد، إلى جانب استمرار النقاش حول الاقتراض المشترك.
ويرى مؤيدو هذه الأدوات أنها ضرورية لتمويل التحول الاستراتيجي الأوروبي وتخفيف الضغط عن الموازنات الوطنية، بينما تخشى دول أخرى أن تؤدي إلى توسيع صلاحيات المؤسسات الأوروبية ونقل مخاطر مالية أكبر إلى الدول الأعضاء.
وتكشف هذه الخلافات عن مفارقة باتت تحكم السياسة الأوروبية تتمثل في أنه كلما ازدادت التهديدات الخارجية والمنافسة الاقتصادية والتكنولوجية، ازدادت حاجة الاتحاد إلى موارد مشتركة وكلما زادت الحاجة إلى هذه الموارد، ارتفعت حساسية الحكومات تجاه مساهماتها الوطنية وحدود السيادة المالية.
وتحمل إعادة ترتيب الأولويات بدورها مخاطر سياسية.. فزيادة الإنفاق الدفاعي والتكنولوجي تبدو ضرورية في نظر معظم العواصم الأوروبية، لكن تمويلها من خلال خفض الدعم الزراعي أو الإنفاق الإقليمي قد يفتح جبهة جديدة من الاعتراض داخل دول ترى في هذه البرامج جوهر التضامن الأوروبي.
ومن المرجح أن تقوم التسوية النهائية على مقايضات دقيقة تقوم على زيادة محدودة في الموارد مقابل إعادة ترتيب الأولويات، أو قبول مصادر تمويل جديدة مع فرض قيود على الإنفاق والاقتراض، أو حماية بعض البرامج التقليدية مع توجيه استثمارات إضافية إلى القطاعات الاستراتيجية.
لكن الأهم أن المفاوضات ستختبر قدرة الاتحاد على ترجمة مفهوم «الاستقلال الاستراتيجي» من شعار سياسي إلى التزام مالي.. فأوروبا تريد أن تكون أكثر قدرة على الدفاع عن نفسها، وأقل اعتماداً على الخارج في التكنولوجيا والطاقة والصناعة، وأكثر حضوراً في الاقتصاد العالمي؛ غير أن تحقيق هذه الأهداف يحتاج إلى قرار بشأن من سيدفع كلفة الطموح الأوروبي.
وتأتي جولة رئيس المجلس الأوروبي بين العواصم في هذا السياق بوصفها محاولة لمنع تحول الخلاف المالي إلى صراع سياسي مفتوح.. فالوقت يضغط، وكل تأخير في الاتفاق يزيد صعوبة التخطيط للبرامج الأوروبية المقبلة ويكشف حدود قدرة الدول الأعضاء على التوفيق بين مصالحها الوطنية والمصلحة المشتركة.
و لن تكون موازنة 2028-2034 مجرد جدول للأرقام والنفقات، بل اختباراً لمعادلة القوة داخل الاتحاد ولقدرته على العمل ككتلة واحدة.. فإذا نجح القادة في تمويل الدفاع والتكنولوجيا والنمو مع الحفاظ على التضامن الاقتصادي والاجتماعي، فقد تؤسس الموازنة لمرحلة جديدة من التكامل الأوروبي.. أما إذا عجزوا عن الاتفاق على من يدفع ومن يحصل على ماذا، فستظهر المشكلة الأعمق وهي أن أوروبا قد تكون قادرة على تحديد ما تريد أن تصبح عليه، لكنها لا تزال عاجزة عن الاتفاق على الثمن الذي يتعين عليها دفعه للوصول إلى هناك.