اقتصاد

«مليار روبوت خلال عقد».. ماسك يتخيل اقتصاداً لا يحتاج إلى المال

كريترنيوز/ متابعات /محمد عبد الرشيد

يرى الملياردير الأمريكي إيلون ماسك، أن التطور المتسارع في الذكاء الاصطناعي والروبوتات قد يقود الاقتصاد العالمي إلى مرحلة غير مسبوقة من الوفرة، يصبح فيها إنتاج السلع والخدمات أكبر بكثير من قدرة البشر على استهلاكها، بما قد يقلل بصورة جذرية من الدور التقليدي للمال في الاقتصاد.

وفي مقابلة حصرية مع مجموعة الصين للإعلام «CMG»، قال الرئيس التنفيذي لشركتي «تسلا» و«سبيس إكس»، إن المستقبل قد يشهد امتلاك الأفراد روبوتات شخصية، فيما يمكن لشركات وأفراد إدارة مئات أو آلاف الروبوتات المادية والرقمية، الأمر الذي سيرفع إنتاجية الفرد إلى مستويات ضخمة.

وقال ماسك إن توقعه يتمثل في الوصول إلى «دخل مرتفع بشكل شبه شامل»، مضيفاً أنه «ليس من الواضح حتى ما إذا كان المال سيظل مهماً في المستقبل».

اقتصاد الوفرة

ويستند تصور ماسك إلى فكرة أن الاقتصاد في جوهره يقوم على إنتاج السلع وتقديم الخدمات، فإذا أصبحت أنظمة الذكاء الاصطناعي والروبوتات قادرة على إنتاج كميات تفوق بكثير احتياجات البشر، فإن العلاقة التقليدية بين العمل والدخل والاستهلاك قد تتغير بصورة عميقة.

ويشير ماسك إلى أن الإنسان يواجه قيوداً بيولوجية واضحة؛ فهو يحتاج إلى النوم والطعام والراحة، كما أن سنوات حياته القابلة للعمل محدودة، بينما يمكن للروبوت العمل بصورة متواصلة. ووفق تصوره، فإن الروبوتات قد تعمل على مدار الساعة، أي نحو 168 ساعة أسبوعياً، دون الحاجة إلى النوم أو التقاعد، ما يرفع الطاقة الإنتاجية مقارنة بالعمالة البشرية.

ويرى ماسك أن انتشار الروبوتات الشخصية قد يجعلها قادرة على أداء مجموعة واسعة من المهام اليومية، بدءاً من رعاية الأطفال وكبار السن، وصولاً إلى التعليم الفردي وتنفيذ الأعمال المختلفة في المنازل والشركات.

ولا يتوقف التصور عند روبوت واحد لكل شخص، إذ يتوقع ماسك أن يمتلك بعض الأفراد أو الشركات المئات بل الآلاف من الروبوتات، بما يجعل إنتاجية الفرد الواحد مضاعفة بصورة كبيرة.

مليار روبوت خلال 10 سنوات

ويضع ماسك الروبوتات الشبيهة بالبشر في قلب هذا التحول، متوقعاً أن يصل عددها عالمياً إلى مليار روبوت خلال 10 سنوات أو أقل، قبل أن يتسارع النمو إلى نحو 10 مليارات خلال 15 عاماً، وربما 100 مليار خلال 20 عاماً، وفق تصريحاته لمجموعة الصين للإعلام.

وتكتسب هذه التوقعات أهمية خاصة بالنسبة إلى «تسلا»، التي تطور روبوت «أوبتيموس» ضمن استراتيجيتها المستقبلية، في محاولة لتحويل خبرتها في الذكاء الاصطناعي والتصنيع إلى منصة روبوتية قادرة على العمل في بيئات مختلفة.

وفي حال تحقق هذا التوسع على نطاق واسع، فإن الروبوتات لن تكون مجرد أدوات صناعية، بل قد تصبح جزءاً من البنية الأساسية للاقتصاد، مع انتقال الذكاء الاصطناعي من العالم الرقمي إلى العالم المادي.

ويتمثل جوهر رؤية ماسك في أن الذكاء الاصطناعي يمنح الآلات القدرة على التفكير ومعالجة المعلومات، بينما توفر الروبوتات «الأيدي والأقدام» التي تسمح لهذه القدرات بالتأثير المباشر في العالم الحقيقي. وكان قد وصف في مقابلة سابقة مع «الإيكونوميست» الاقتصاد الذي يجمع أعداداً ضخمة من الروبوتات مع الذكاء الاصطناعي بأنه يمكن أن يصبح قريباً من «اقتصاد شبه لانهائي»، وتوقع آنذاك أن تقل أهمية المال بحلول عام 2036 إذا تجاوز إنتاج السلع والخدمات قدرة البشر على الاستهلاك.

ماذا سيفعل البشر في عصر الروبوتات؟

مع انتقال المزيد من المهام إلى الآلات، يرى ماسك أن القيمة المستقبلية للإنسان قد تتحول من تنفيذ الأعمال إلى تحديد الأهداف والطلبات التي يريد من الآلات تحقيقها.

ولهذا السبب، دعا الجيل الجديد إلى الحصول على تعليم واسع ومتعدد التخصصات بدلاً من التركيز الضيق على مجال واحد. وقال إن التعليم ينبغي أن يشمل الفنون والعلوم والهندسة، إلى جانب قاعدة واسعة من المعرفة العامة.

والفكرة، وفق ماسك، أن الإنسان الذي يمتلك معرفة أوسع سيكون أكثر قدرة على تحديد ما يريد من الذكاء الاصطناعي والروبوتات، وبالتالي الاستفادة بصورة أفضل من قدراتها.

ويربط ماسك ذلك بما يعرف بـ«هندسة الأوامر» أو Prompt Engineering، أي القدرة على صياغة التعليمات والأسئلة بصورة واضحة للأنظمة الذكية.

وفي عالم يزداد فيه عدد الروبوتات وقدرات الذكاء الاصطناعي، قد تصبح معرفة «ما الذي نريد من الآلة أن تفعله؟» أكثر أهمية من القدرة البشرية على تنفيذ المهمة نفسها.

وقال ماسك إن المستقبل قد يصل إلى مرحلة تصبح فيها الروبوتات والأنظمة الذكية قادرة على تنفيذ الطلبات البشرية بسرعة كبيرة، إلى درجة قد تصبح فيها المشكلة ليست نقص القدرة على التنفيذ، وإنما تحديد ما يمكن للبشر أن يطلبوه من هذه الأنظمة.

الصين في قلب سباق الروبوتات

وجاءت تصريحات ماسك في وقت تتوسع فيه صناعة الروبوتات الشبيهة بالبشر بسرعة، خصوصاً في الصين، التي أصبحت مركزاً رئيسياً لتطوير وتصنيع هذه التقنيات.

وتشير بيانات رسمية صينية إلى وجود أكثر من 140 شركة تعمل في تصنيع الروبوتات الشبيهة بالبشر، فيما بلغت شحنات الصين من هذه الروبوتات نحو 14,400 وحدة خلال 2025، بما يعادل قرابة 80 % من الشحنات العالمية في ذلك العام.

وفي النصف الأول من 2026، تجاوزت الشحنات الصينية 40 ألف روبوت شبيه بالبشر، بما يمثل 97 % من الشحنات العالمية خلال الفترة، وفق بيانات نقلتها وكالة «شينخوا» عن مؤتمر متخصص في القطاع. كما تشير تقديرات المعهد الصيني للإلكترونيات إلى إمكانية وصول سوق الروبوتات الشبيهة بالبشر في الصين إلى نحو 870 مليار يوان، ما يعادل حوالي 128.3 مليار دولار، بحلول 2030.

ويعكس ذلك انتقال الروبوتات من مرحلة التجارب والعروض التقنية إلى مرحلة البحث عن تطبيقات تجارية واسعة، تشمل المصانع والخدمات والرعاية والتعليم والمنازل.

هل يعني عصر الوفرة نهاية المال؟

لكن الانتقال إلى اقتصاد شديد الوفرة لا يعني بالضرورة اختفاء المال.

فنظرية ماسك تفترض أن زيادة الإنتاج ستقلل الندرة إلى درجة يصبح معها المال أقل أهمية، إلا أن الاقتصاد العالمي لا يعتمد فقط على السلع التي يمكن إنتاجها آلياً. فهناك موارد تظل محدودة بطبيعتها، مثل الأراضي في المواقع المرغوبة، وبعض مصادر الطاقة، والموارد الطبيعية، إضافة إلى الوقت البشري والاهتمام والخدمات التي تعتمد على التفاعل الإنساني.

كما أن التوسع الهائل في الذكاء الاصطناعي نفسه يحتاج إلى كميات ضخمة من الكهرباء ومراكز البيانات والرقائق والبنية التحتية، ما يعني أن ارتفاع القدرة الإنتاجية في قطاع ما قد يؤدي إلى ظهور اختناقات جديدة في قطاعات أخرى.

ولهذا، فإن «اقتصاد الوفرة» قد لا يعني اختفاء الندرة، وإنما انتقال الندرة من السلع والخدمات التقليدية إلى موارد جديدة.

ويطرح خبراء اقتصاديون وتقنيون بالفعل أسئلة مشابهة حول تأثير الذكاء الاصطناعي في توزيع الدخل والثروة، خصوصاً إذا أصبحت ملكية الأنظمة الذكية والروبوتات مركزة لدى عدد محدود من الشركات أو المستثمرين.

من «اختفاء المال» إلى «رقمنة المال»

وفي الوقت الذي يتحدث فيه ماسك عن احتمال تراجع أهمية المال، يقدم جيريمي ألير، الرئيس التنفيذي والشريك المؤسس لشركة «سيركل»، تصوراً مختلفاً لمستقبل النظام المالي.

ألير يتوقع أن يصبح المال نفسه رقمياً بصورة متزايدة، وأن تتحول المدفوعات إلى عمليات شبه فورية وعالمية، تشبه في سهولتها إرسال رسالة عبر الإنترنت. وقد وصف مستقبلاً تصبح فيه الأموال الرقمية جزءاً أساسياً من البنية المالية للإنترنت.

وبذلك، قد لا يكون مستقبل المال هو الاختفاء، وإنما التحول من النقد والأنظمة التقليدية إلى أموال رقمية قابلة للبرمجة والتحويل الفوري عبر الحدود.

السؤال الأكبر.. من يملك اقتصاد الوفرة؟

في نهاية المطاف، تفتح رؤية ماسك الباب أمام سؤال اقتصادي أكبر من مجرد مستقبل النقود: من سيملك القدرة الإنتاجية التي توفرها الروبوتات والذكاء الاصطناعي؟

فإذا أصبحت الآلات قادرة على إنتاج السلع والخدمات بكميات ضخمة، فإن القيمة الاقتصادية قد تنتقل تدريجياً من العمل البشري إلى ملكية التكنولوجيا والطاقة والبنية التحتية والبيانات والأنظمة الروبوتية.

وبالتالي، فإن مستقبل الاقتصاد قد يتحدد ليس فقط بمدى قدرة الذكاء الاصطناعي على زيادة الإنتاج، وإنما أيضاً بكيفية توزيع ثمار هذه الزيادة.

وتظل رؤية ماسك، في الوقت الراهن، توقعاً طموحاً للمستقبل وليست نتيجة اقتصادية محسومة. إلا أن التطور السريع في الذكاء الاصطناعي والروبوتات يجعل النقاش حول مستقبل العمل والدخل والمال ينتقل من الخيال العلمي إلى صميم النقاش الاقتصادي والتكنولوجي العالمي.

زر الذهاب إلى الأعلى