تقارير وحوارات

الأدوية المهربة والأخطاء الطبية .. معاناة مركبة تزيد من أوجاع المواطن الجنوبي

كريترنيوز / تقرير

تتضاعف معاناة المواطن الجنوبي مع انتشار الأدوية المهربة وتزايد حوادث الأخطاء الطبية إلى قائمة طويلة من الأزمات التي تثقل كاهله، بدءاً من الانهيار الاقتصادي والتربوي والخدمي، مروراً بتدهور قيمة العملة المحلية، وصولاً إلى التضييق على معيشته وسبل كينونته بشكل عام. هذه المعاناة المركبة أصبحت واقعاً يومياً يعيشه المواطن الجنوبي، الذي يجد نفسه محاصراً بين مطرقة الفساد وسندان الإهمال.

يعزو المواطنون تفاقم مشكلة الأدوية المهربة والأخطاء الطبية إلى تفشي الفساد والمحسوبية وضعف الرقابة الحكومية على شركات الأدوية والمستشفيات والصيدليات، بالإضافة إلى عدم التدقيق في شهادات التخرج وتراخيص مزاولة المهنة للأطباء والفنيين والممرضين. كما أشاروا إلى رداءة الأدوية والمحاليل المخبرية وأدوية التخدير المستخدمة، وسوء حفظها وتخزينها في ظل انقطاع الكهرباء، فضلاً عن انتشار الأدوية والمحاليل المهربة عبر المنافذ غير الشرعية. تُعتبر الرقابة الحكومية على القطاع الصحي ضعيفة وغير فعالة، ما يتيح المجال لتجار الأدوية الفاسدة والمزورة للتلاعب بصحة المواطنين دون حسيب أو رقيب. كما أن عدم وجود آليات واضحة لمراقبة جودة الأدوية المستوردة والمحلية، وعدم تحديث القوانين واللوائح الخاصة بالقطاع الصحي، يُسهل من عملية انتشار الأدوية المغشوشة والمهربة. ويلعب الفساد والمحسوبية دوراً كبيراً في تفاقم المشكلة، حيث يتم منح تراخيص استيراد وتوزيع الأدوية لأشخاص غير مؤهلين، وتغض الجهات الرقابية الطرف عن المخالفات والتجاوزات مقابل الحصول على رشاوى وامتيازات. كما أن المحسوبية تتيح للأطباء والفنيين غير الأكفاء العمل في القطاع الصحي دون محاسبة.

حيث تُعاني المستشفيات والمراكز الصحية الحكومية من نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية، ما يدفع المرضى إلى اللجوء إلى الصيدليات الخاصة التي غالباً ما تبيع أدوية رديئة ومجهولة المصدر.

كما أن سوء التخزين وعدم الالتزام بالمعايير الصحية يؤدي إلى تلف الأدوية وفقدانها لفعاليتها.

يرى المواطنون أن الأخطاء الطبية المتزايدة هي نتاج تركة الفساد اليمني الموروث عن نظام الهالك علي عبدالله صالح، حيث تمكن العديد من غير المؤهلين من الالتحاق بكليات الطب والمعاهد الصحية عبر الوساطة والرشوة، وحصل بعضهم على شهادات مزورة من الخارج. وقد تحولت المرافق الصحية إلى ما يشبه “المجازر البشرية” في ظل غياب المساءلة القانونية والتستر على الأخطاء الطبية.

يعاني التعليم الطبي في اليمن والجنوب من تدني المستوى الأكاديمي وعدم مواكبة التطورات العلمية الحديثة، ما ينعكس سلباً على كفاءة خريجي كليات الطب والمعاهد الصحية. كما أن الفساد والمحسوبية يلعبان دوراً كبيراً في قبول الطلاب غير المؤهلين، ما يؤدي إلى تخرج أطباء وفنيين غير قادرين على ممارسة المهنة بكفاءة في حين يفتقر القطاع الصحي إلى آليات واضحة لمحاسبة مرتكبي الأخطاء الطبية، حيث يتم التستر على الأخطاء والتجاوزات وحماية الأطباء المتورطين فيها، ما يشجع على الإهمال والاستهتار بحياة المرضى ويعاني المجتمع الجنوبي من ضعف الوعي الصحي، ما يجعل المرضى عرضة للاستغلال من قبل الأطباء والصيادلة عديمي الضمير، كما أن عدم معرفة المرضى بحقوقهم وواجباتهم يجعلهم غير قادرين على المطالبة بتعويضات عن الأضرار التي تلحق بهم جراء الأخطاء الطبية.

ويؤكد المختصون أن التعرف على الأدوية المهربة ليس بالأمر السهل، خصوصاً مع وجود أختام مزورة، ويتطلب الأمر أجهزة خاصة وكوادر مؤهلة وتشديد الرقابة على المنافذ الرئيسية وتنظيم حملات تفتيش مستمرة على الشركات والصيدليات والمستشفيات. ويشيرون إلى أن كثرة شركات ووكلاء الأدوية وتعدد الأسماء التجارية للصنف الواحد يسهل من عملية تمرير وتصريف الأدوية المهربة والرديئة، داعين إلى تقليل عدد الوكلاء والشركات لتسهيل عملية ضبط سوق الأدوية.

وأكد الدكتور عبدالله الهدار، خلال استضافته في برنامج “حديث العاصمة” على قناة عدن المستقلة، وجود إشكاليات في العلاقة بين بلد المنشأ وشركات الاستيراد والوكلاء والمندوبين والصيدليات، مشيراً إلى غياب الضوابط والمعايير المتعلقة بسلامة نقل وحفظ وتخزين الأدوية. منوهاً إلى عدم التزام بعض الأطباء بالبروتوكولات المتفق عليها دولياً في صرف الأدوية، وإصرارهم على وصف أدوية بعينها دون مراعاة جودتها أو سعرها، مرجعاً ذلك إلى حصولهم على مقابل مادي من الوكلاء أو المندوبين.

إلى ذلك أوضح الدكتور الخضر القميشي أن المشكلة متراكمة وشائكة، مشيراً إلى أن الوضع قبل عام 1990 كان أفضل بكثير، حيث كانت الشركة الوطنية للأدوية والهيئة العليا للأدوية تقومان بدور رقابي وتفتيشي صارم، وكانت الأدوية تتمتع بجودة عالية.

وأضاف القميشي: إن الانفلات الأمني وفتح السوق أمام شركات استيراد الأدوية دون ضوابط أدى إلى تفاقم المشكلة، مؤكداً وجود منظومة فساد حكومي مرتبطة بصرف التراخيص للشركات والوكلاء.

وعلمت صحيفة سمانيوز من مصادر أن رئيس نيابة جنوب عدن وجه بإعادة تصدير حاويات أدوية كانت محتجزة في ميناء عدن وأمر بإعادتها إلى بلد المنشأ خلال مدة أسبوع من تاريخ صدور المذكرة 23 ابريل 2024م وذلك بسبب وصول تلك الأدوية المستوردة في حاويات حديدية جافة غير آمنة وغير مخصصة لنقل الأدوية. ويرى مختصون أن القرار إيجابي وخطوة شجاعة جريئة تصب في صالح المواطن المطحون.

ختامًا..

يبدو أن المواطن الجنوبي يدفع ثمن فساد تراكم على مدى ثلاثة عقود، وأضيف إليه فساد الحكومة اليمنية الحالية. ويبقى السؤال: من ينصف المواطن الجنوبي ويخفف من معاناته؟

زر الذهاب إلى الأعلى