إلى نجيب محفوظ: صلاة على ذاكرة لا تموت

كتب د. مريم العفيف
تحية لك من بين طيات الزمن، من بين ضباب الصمت الذي يلف الأزقّة والذكريات. أكتب إليك كأنك لم تغادر هذا العالم يومًا، كأنك تمشي بيننا في ردهات القاهرة القديمة حيث تتعانق رائحة القهوة بدخان السجائر وتهمس الحوائط بأسرار لم يقرأها أحد من قبل. أكتب إليك ليس من باب الوفاء فحسب، بل من باب الحاجة الملحّة لأن تظلّ الكلمات جسراً بين الأحياء والأرواح. قلتَ — وما زال صداك يرن في أعماقنا — إن أقسى أنواع الموت هو موت الذاكرة.
يا محفوظ، هل تدرك أن الذاكرة ليست مجرد صور محفوظة ولا رفوفٍ ممتلئة بصمت الكتب؟ إنها روح الحياة التي تجري في العروق كجدولٍ سري لا ينضب؛ إنها الحلم الذي يطرق أبوابنا كل صباح ويهمس فينا ببهجة الاكتشاف؛ إنها النور الخفي الذي يحرّرنا من الظلام، ويعيد إلينا دهشة الطفولة، وحرارة أول نظرة، ونشوة أول قصة. الموت، يا محفوظ، ليس ما يراه الناس في ارتخاء الجسد أو انسداد العينين، بل هو حين تغيب الحياة عن البصر، وحين يذبل القلب عن الترقُّب، وحين تتوقّف الأرواح عن الانحناء أمام العجائب. عندئذٍ نصبح مجرد أجساد تتنفس بلا شغف، تسير بلا ارتعاش، تؤدي فرائضَها بلا حرارة — أوانيٍ خاوية تملؤها الريح، أقنعة بلا وجوه، ظلال بلا صوت.
الذاكرة، يا معلمي، ليست دفترًا قديمًا أو صورًا تصفرها الأيام؛ بل هي المرأة العجوز التي تشيب كل يوم لكنها تختبئ تحت الغيوم، تغفو في زوايا لم يُكتشفها أحد بعد، تنتظر من يوقظها بلمسة من كلماتك، أو بضحكة من زمن بعيد، أو بقراءة سطرٍ من كتابٍ كان يحتضن روحك، أو حتى بأنفاس قارئٍ مخلص يعرف أن ما بين السطور يكمن السرّ الأعظم للحياة.
في رواياتك لم يكن الناس مجرد بشر يمشون في شوارع القاهرة؛ كانوا أرواحًا تتجول بين الأزمنة، كواكب صغيرة تدور في فضاءات لا يراها إلا من يقرأ بعمق. كل حركة في الحارة، كل ضحكة، كل دمعة، كل شجار — كان سرًّا من أسرار الكون؛ كل نظرة كانت صلاة لم تُرفع بعد. عبد ربه في الحرافيش لم يكن مجرد شخصية، بل نشيد متردّد بين الأصوات. وصوت أمينة في ثلاثيتك لم يكن امرأة فحسب، بل كان ضميرًا حيًا يهمس لنا عن الخطيئة والفداء والحياة التي لا تموت.
الموت الذي حذرتنا منه — موت الذاكرة — هو الغياب الأعظم: غياب المعنى، غياب المدن عن أبوابها، غياب الشعوب عن أغانيها، غياب الإنسان عن وجهه. لكنّ الحكاية، إذا رويت، تحيي كلّ شيء: تعيد المدن إلى شوارعها، وتعيد الأمهات إلى أبنائهن، وتبعث الجدّات من صمت التراب، وتغرس فينا شجرة لا تموت — شجرة تثمر ذكريات ودهشة وحبًّا للحياة؛ شجرة تشرب من دمنا وتهدينا ألوان السماء في كل فجرٍ جديد.
أكتب إليك كما يكتب المريد إلى شيخه، وكما يكتب العاشق إلى نجمٍ لا يراه لكنه يضيء قلبه. أكتب لأشهد أنّك لم تمُت، بل تحوّلت إلى ذاكرةٍ كونية، إلى نجم لا ينطفئ، إلى قصيدة مفتوحة على زمن لا يشيخ؛ إلى حضور يتخلّل أرواحنا ويسري بين العروق كما يسري الماء في النهر، كما يسري الهواء في الصدر، كما يسري الحب الخفي في القلوب، كما تتسلّل الموسيقى بين أوردة العاشقين في ليلةٍ صمتها أبدية.
أما نحن، فمعركتنا مع النسيان، مع الفراغ الذي يزحف إلينا كالليل الطويل. لكننا حين نقرأك نشعل شمعة ضد الظلام؛ حين نقرأك نصبح ذاكرة لا تموت؛ حين نقرأك نكتشف أن كل شيء حيّ، وأن الموت الحقيقي مجرد وهم، وأن الحكاية إن صدقت تخلق عالمًا أبدياً يتجاوز كل غياب وكل رحيل، وأن الكلمات ترفع الأرواح من تحت الرماد وتغنّي للسماء.
أكتب إليك وأنا أرى الأزقّة تتلوّى من حولي كأفعى الزمن؛ أرى البيوت تتنفس صمتها القديم؛ أرى الجدران تهمس بأسماء لم تعد موجودة؛ أرى كلَّ شيءٍ يموج بالغياب، وأنت فقط في قلبي: في كل حافة من الذاكرة، في كل طيف من الضوء، في كل قطرة مطر تتساقط على شوارع الحنين.
يا محفوظ، أنت لم تكتب روايات فحسب، بل أقمت صلاةً طويلة في معبد الحكاية — صلاة تتوسّل الأرواح، تحول الحزن إلى معرفة، وتحول الفقد إلى أبدية. غرست في القلوب بذور التأمل والدهشة والوعي بأن كل شيء مؤقت إلا الحكاية؛ وأن كل شيء يموت إلا ما تحفظه الذاكرة، ما نرويه في صمت الليل، في فراغ الغروب، بين صخب الأزقّة القديمة، وبين ضحكات الأطفال الذين يجهلون أنّهم جزء من قصتك الكبرى.
سلام عليك، سلام على دهشتك، سلام على خلودك، سلام على روحك التي صارت كتابًا لا يغلق. سلام على ذاكرةٍ تحيا بيننا وتعيش فينا، في كل صفحة نقرأها، في كل نفس نتنفسه، في كل قصة نرويها. يا محفوظ، يا شيخ الحكاية، يا ولي الأزقّة وأب المدن: نقرأك كما يتوضأ العارف بالدهشة، ونكتب بعدك كأننا نُتمّ صلاةً لم تكتمل. سلام على كلماتك التي تنقذنا من الموت كلما هددتنا ظلال النسيان، وسلام على حضورك الأبدي في عيوننا وقلوبنا، وسلام على الأبدية التي زرعتها فينا.