نوفمبر المجيد.. بـيـن أمـجـاد الأمـس ومعاناة اليوم

كتب : د/ وهيبة شاهر
أيام قليلة تفصلنا عن ذكرى خالدة تحمل في طياتها عبق النضال والتحرر من الاستعمار البريطاني، ألا وهي ذكرى الجلاء، الثلاثون من نوفمبر 1967م، حين سطر الأبطال ملحمة خالدة في تاريخ الجنوب، وقدموا أرواحهم فداءً للوطن والحرية والعدالة والكرامة.
غير أن هذه الذكرى تحولت اليوم إلى محطة للتأمل والتساؤل: هل هذا هو الوطن الذي حلم به من ضحوا في سبيله؟ فالحسرة على واقع لم يكن يحلم به أحد، إذ يعيش المواطن اليوم أسوأ مراحل حياته المعيشية والخدماتية، غارقًا في دوامة الانهيار الاقتصادي وغياب أبسط الخدمات الأساسية، تحت وطأة الفقر والجوع وارتفاع الأسعار والبطالة المتفشية بين الشباب الخريجين، مما اضطر العديد من الأسر إلى البحث عن قوت يومها خلسة في براميل القمامة.
بينما كان الأجداد يحتفلون بجلاء المستعمر البريطاني وعودة الأرض إلى أصحابها والعيش بكرامة، يعاني أبناؤنا اليوم من تدهور حاد في الحياة المعيشية، وانهيار شبه كامل للخدمات، وتأخر صرف المستحقات المالية للموظفين العسكريين والمدنيين لأكثر من خمسة أشهر، حتى أصبحت الحياة ترتقي إلى مستوى الحياةغير الآدمية.
هناك انهيار متعمد وممنهج لمؤسسات الدولة: الكهرباء مقطوعة لساعات طويلة، المياه شحيحة وغير صالحة للشرب، الطرقات متهالكة، وحوادث السير اليومية وقوائم الضحايا دليل على ذلك. التعليم شبه منهار، والمستشفيات تعاني نقصًا في الخدمات والكادر الطبي، وانعدامًا شبه كامل للخدمات الطبية المجانية، إضافة إلى الأخطاء الطبية التي أودت بحياة الكثير من المرضى. أما الأسعار فترتفع يوميًا بسبب انعدام الرقابة والمحاسبة المستمرة.
رغم كل هذه المعاناة، تبقى ذكرى الثلاثين من نوفمبر محفورة في أذهاننا، لتذكر الجميع بأن الشعوب لا تموت، وأن جذوة الحرية التي أشعلها أجدادنا المناضلون لا تنطفئ.
رسالتي لمن تولى أمر الشعب اليوم: الاحتفال الحقيقي بذكرى الثلاثين من نوفمبر لا يكون بالشعارات ولا بالخطاب الرنان، ولا بعدم الإحساس بالمسؤولية أمام معاناة المواطنين، بل بترجمة معاني النصر والجلاء إلى واقع ملموس يعيشه الناس في حياتهم اليومية، من خلال تحسين المعيشة، وصرف المستحقات المالية، وتوفير الخدمات، والاهتمام بالتعليم والصحة، ومكافحة الفساد والفاسدين الذين سولت لهم أنفسهم العبث بحق المواطن وحرمانه من العيش بكرامة، ومحاسبة القوى التي تتصارع من أجل مصالحها الخاصة متناسية أن الشعب هو المتضرر والوطن هو الخاسر الأكبر.
كما قاوم الشعب الاستعمار البريطاني في الماضي، فهو اليوم قادر على مقاومة الفساد والفقر والخذلان والحرمان من حقوقه المسلوبة، أملاً في فجر جديد يعيد للوطن مكانته وللمواطن كرامته. واجبنا اليوم هو إنجاز الاستقلال المعيشي والخدمي، وتحرير المواطن من الاستعباد الاقتصادي والبؤس والحرمان، بمحاربة الفساد وطرد العابثين بمؤسسات الدولة، ليعود للوطن والمواطن هيبته وكرامته.
لم يعد الثلاثون من نوفمبر مجرد يوم خالد لرحيل آخر جندي من المستعمر البريطاني، بل أصبح صرخة وعي ونداء ضمير، إيذانًا ببدء عهد جديد من السيادة والكرامة. وندعو الجميع إلى استلهام دروس الماضي، والتعلم من أخطاء ونجاحات الأجداد، لبناء المستقبل على أسس قوية، وتحويل المعاناة إلى قوة دافعة لاستعادة الأرض والحقوق المشروعة، وتحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة التي سالت من أجلها دماء الشهداء والجرحى.