مقالات وآراء

‏قضية استقلال الجنوب

كتب : السفير خالد اليماني

 

الخطوة التالية هي ترسيخ الإدارة الذاتية الجنوبية وتوسيع الشراكات الداخلية لتمهيد الطريق نحو الدولة ..

في 22 مايو/أيار 1990، وفي ظل انهيار الكتلة السوفيتية، اختارت عدة شخصيات نافذة داخل الحزب الاشتراكي الحاكم في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، الاندفاع نحو الوحدة مع النظام القبلي العسكري للجمهورية العربية اليمنية. مثّل هذا التحول المفاجئ انحرافًا جذريًا عن طموحات الحزب الأيديولوجية السابقة، ولا سيما طموحات جناحه الراديكالي، الذي روّج سابقًا لرؤى ثورية شاملة مثل “تحرير عُمان والخليج” ودمج شمال اليمن في المجال الشيوعي.

بعد عقدين تقريبًا من نيل الاستقلال عن بريطانيا، وجد جنوب اليمن نفسه ينزلق بسهولة تحت سيطرة الشمال. حسم الرئيس علي عبد الله صالح، رئيس اليمن الشمالي، الأمر من خلال حرب 1994، معلنًا ضم الجنوب بالقوة، بينما بثت الإذاعة الرسمية بنشوة الانتصار أغنية لأيوب طارش عن العودة إلى عدن.

منذ تلك اللحظة، اتخذ النضال الجنوبي من أجل فك الارتباط أشكالًا متعددة. انطلقت الشرارة الأولى من خلال الحراك الجنوبي السلمي، قبل أن تنضج القضية سياسياً مع تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي عام 2017 كمنصة جامعة للجنوبيين الساعين إلى استعادة سيادة دولتهم.

وبعد مرور ما يقرب من عقدين من الزمن على تحقيق استقلاله عن بريطانيا، وجد جنوب اليمن نفسه يسقط بسهولة تحت السيطرة الشمالية .

لم يبدأ مسار الجنوب نحو تقرير المصير بإنشاء المجلس الانتقالي الجنوبي؛ بل مرّ بعدة محطات بارزة. أقرّ مؤتمر الحوار الوطني (2013-2014) بالقضية الجنوبية كـ”قضية سياسية عادلة”، مُقرّاً بأن الوحدة قد تشكّلت بين دولتين ذات سيادة – جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية والجمهورية العربية اليمنية – وأن هذا الاتحاد انهار بعد حرب 1994، وما تلاها من سياسات إقصاء وتهجير. إلا أن هذا الاعتراف جاء متأخراً ودون حلول جوهرية أو ضمانات موثوقة. وظلّت وعود الاعتذار والتعويضات وتقاسم السلطة حبراً على ورق، حبيسةً الجنوب داخل دولة مركزية فاشلة يهيمن عليها الشماليون.

بدا مقترح “الدولة الفيدرالية” محاولةً لاحتواء القضية الجنوبية أكثر منه اعترافاً بحقوق الجنوب – لا سيما بعد قرار تقسيم الجنوب إلى إقليمين فدراليين، والذي اعتُبر على نطاق واسع تجزئةً متعمداً لهويته ووحدته التاريخية. بقيادة محمد علي أحمد، رفض الوفد الجنوبي نتائج مؤتمر الحوار الوطني، وخاصةً نموذج الأقاليم الستة، وطرح بدلاً من ذلك صيغة إقليمين (شمال وجنوب)، مفضّلاً الانسحاب على إضفاء الشرعية على ترتيبٍ قوّض حق الجنوب في استعادة دولته.

شكّل انقلاب الحوثيين على الرئيس عبد ربه منصور هادي عام ٢٠١٤ الانهيار النهائي للاتحاد اليمني. بدعمٍ من إيران، استولى الحوثيون على مؤسسات الدولة في صنعاء، وفرضوا نموذج حكمٍ طائفيٍّ وراثيٍّ جعل استمرار تمسك الجنوب بهذا المشروع سياسياً وأخلاقياً أمراً غير مقبول.

لو لم يكن هادي جنوبياً، ولولا شجاعة المقاتلين الجنوبيين الذين هزموا الحوثيين في معركة عدن بدعمٍ سعوديٍّ وإماراتيٍّ، وما تلاها من تحرير المكلا من الجماعات الإرهابية، لكان من المرجح أن يستوعب مشروع إيران الإقليمي الجنوب، مع انتشار المعاهد الدينية الشيعية في جميع أنحاء الجنوب السنّي.

لقد شكل الانقلاب الحوثي على الرئيس عبد ربه منصور هادي في عام 2014 الانهيار النهائي للاتحاد اليمني .

كان تحرير عدن لحظةً فارقةً عززت وعي الجنوبيين بضرورة استعادة دولتهم. إلا أن هادي فشل في اغتنام تلك الفرصة التاريخية، واستسلم بدلاً من ذلك لنفوذ القوى السياسية المحيطة به في الرياض. شجعته القوى السياسية على إعادة تدوير خطاب الحوار الوطني الفارغ، متجاهلاً حقيقة أن الحرب قد غيّرت المشهد، وأن الجنوب أصبح محرراً والملجأ الوحيد للحكومة الشرعية.

للأسف، ساهم بعض الجنوبيين الذين حلوا محل الوفد الجنوبي الأصلي في مجلس الحوار الوطني بصنعاء في تعزيز مشروع الأقاليم الفيدرالية الذي قسّم الجنوب، معززين بذلك الرواية الجوفاء حول مستقبل الجنوب مقابل تمثيل رمزي ومكاسب آنية على حساب قضية شعبهم.

أطاحت الحرب بجميع الأطر السياسية السابقة. وسعى الجنوبيون إلى تولي زمام أمورهم بأنفسهم من خلال إقامة إدارة ذاتية، رغم محاولات الاختراق والتعطيل والضغط الاقتصادي المستمر الذي يهدف إلى إضعاف تطلعات الجنوب. في أبريل/نيسان 2022، أقرّ مؤتمر الرياض الثاني رسميًا قضية جنوب اليمن كجزء من مفاوضات وقف إطلاق النار، ومنحها إطارًا تفاوضيًا مخصصًا في عملية السلام. ورغم النمط المألوف من التأجيل والوعود المبهمة، اعترف المؤتمر بالمجلس الانتقالي الجنوبي ممثلًا شرعيًا وحيدًا للشعب الجنوبي، وانضمت قياداته إلى المجلس الرئاسي القيادي بموجب اتفاق مناصفة.

‏على مدى السنوات الثلاث الماضية، كشفت التطورات داخل المجلس الانتقالي الجنوبي عن أوهام عديدة، وأبرزت قوة عزيمة الجنوب – التي جسّدها رئيس المجلس عيدروس الزبيدي، وزميلاه القياديان أبو زرعة المحرمي وفرج البحسني – الذين أثبتوا للمجتمع الدولي أن القضية الجنوبية محورية، ولا يمكن حصرها في مساومات الفنادق أو الملفات الثانوية.

يجب أن يتعمّق الحوار الجنوبي الداخلي، وأن يترجم الرؤية السياسية للمجلس الانتقالي الجنوبي إلى أساس دستوري وقانوني للدولة.

اليوم، ومع ممارسة المجلس الانتقالي الجنوبي لسلطته الفعلية على الأرض، فإن الخطوة التالية هي ترسيخ الإدارة الذاتية الجنوبية وتوسيع الشراكات الداخلية لتمهيد الطريق نحو الاستقلال التام. وهذا يتطلب بناء مؤسسات الدولة – التنفيذية والتشريعية والقضائية والخدمية – القادرة على إدارة الموارد بشفافية، وإعادة هيكلة القوات الأمنية والعسكرية في إطار جنوبي موحد، ودمج الفاعلين السياسيين والقبليين والاجتماعيين لضمان شرعية تتجاوز النخب الضيقة.

وبالتوازي مع ذلك، يجب أن يتعمق الحوار الجنوبي الداخلي، ويترجم الرؤية السياسية للمجلس الانتقالي الجنوبي إلى أساس دستوري وقانوني للدولة. وعلى الصعيد الخارجي، يجب أن يتوسع التمثيل السياسي والدبلوماسي الجنوبي وفقًا لمبدأ التكافؤ الذي يتبناه المجلس الرئاسي، في جميع البعثات الدبلوماسية، مع تعزيز الشراكات الاقتصادية والأمنية المستقلة مع الجهات الإقليمية والدولية الفاعلة تمهيدًا للاعتراف الدولي التدريجي.

استقلال الجنوب ليس شعارًا عاطفيًا أو مطلبًا عفويًا؛ إنه مشروع سياسي متماسك قائم على حقائق الأرض والتاريخ والإرادة الشعبية. وبينما لا تزال التحديات قائمة – من المؤامرات والتنافس على النفوذ إلى المصالح المؤقتة – لم تكن اللحظة أكثر نضجًا من اليوم. سيعزز استقلال جنوب اليمن الاستقرار، ويمنع التطرف، ويعزز الشراكة مع دول مجلس التعاون الخليجي، ويعزز العلاقات بين الشمال والجنوب بشكل مثمر.

 

زر الذهاب إلى الأعلى