مقالات وآراء

هي يافع..!

كتب: عمر محمد العمودي

هي يافع؛ فكرة تشكّلت على مهل، في المسافة الدقيقة بين الحماية والحياة، بين الواجب والوجود. عرفت كيف تصون نفسها دون أن تنغلق، وكيف تستمر دون أن تتآكل، فصارت نموذجًا لهوية لا تتبدل بتبدل الأزمنة، ولا تُعرّف نفسها إلا بما تصنعه..
تعاقبت الأجيال اليافعية وهي تمضي في الدرب ذاته، مدركة أن الأرض لا تحفظ إلا برجالها، والهوية لا تبقى فكرة معلقة ما لم تتحوّل إلى ممارسة يومية. من هذا الفهم، نما حضورهم العسكري بوصفه حراسة للأرض، وترسيخ الإدراك بأن السيادة أصل ثابت، وأن الكرامة حقّ.
وفي المسار نفسه، نما الاستثمار، واتسع العمران، لأن يافع أيضًا رأت الوطن مشروع حياة ممتد، لا ساحة حرب واستنزاف. من حمل السلاح حين اقتضى الواجب، عاد ليزرع، ويبني، ويؤسس، ويخاطر برأسماله في أرض يؤمن بها. هذا التوازن بين الحماية والتشييد هو ما منح يافع فرادتها، وجعلها عصيّة على الانكسار أو الاختزال.
أرض يافع جميلة بسرّها. جبال تحفظ أسماء رجالها، ومدرجاتها زُرع فيها البن قبل أن يصبح البن سلعة عالمية. إلى اليوم، يزرعونه كما كانوا بوصفه ذاكرة اقتصادية وثقافية..
ليس غريبًا أن نرى بروز شباب مؤسسيون لامعون من هذه البيئة، في الإدارة، والاقتصاد، والإعلام، وشتى المجالات.. هؤلاء نشأوا في بيئة تتوج نجاحها الفردي حين يرتبط بخدمة الصالح العام، وأرض تربّي أبناءها على أن التأسيس المتين أسبق من الظهور السريع..
لهذا ظلت هوية يافع راسخة، لأنها تشكّلت بالتراكم لا بردّ الفعل، ونمت من داخلها لا في مواجهة غيرها. هوية تعرف ذاتها، وتدرك فكرتها، وتعي دورها في هذه المرحلة بتوافدهم إلى الاعتصام، كما كانت في كل المراحل المفصليّة تاريخيًّا اسمًا ثقيلًا، وحضورًا يرجّح أي كفة يقفون فيها.
وهكذا تمضي يافع كما اعتادت؛ تحمي حين يجب، وتبني حين يجب. تزرع البن في الأرض، وتزرع الرجال في الزمن.. مقدّمة مثالًا نادرًا لأمة تقدّم الفكرة على المجد، والواجب على الصورة، والهويّة على كل مكسب عابر.

زر الذهاب إلى الأعلى