طيران اليمنية… حين يتحول “الناقل الوطني” إلى تاجر أزمات وخنجر في خاصرة سقطرى

كتب: صالح جميل
حين يسود الصمت وتعلو الحقيقة، لا يمكن إلا أن يُقالها أبناء سقطرى بمرارة: ما تفعله طيران اليمنية لم يعد مجرد سوء إدارة، بل جريمة مكتملة الأركان بحق جزيرة كاملة تعيش على حافة البحر وتتنفس من نافذة السماء.
حين تم تدشين أول رحلة من مطار الملك عبدالعزيز الدولي بجدة إلى سقطرى، خرجت الأبواق لتصف الحدث بأنه “إنجاز تاريخي” و”كسر للحصار” و”فتح للمجال الجوي”، وكأن الأرخبيل كان سجناً مغلقاً ينتظر مفاتيح الخلاص. لكن تلك الرواية سقطت سريعاً أمام حقيقة يعرفها الجميع: سقطرى لم تكن يوماً معزولة، فقد كانت الرحلات المنتظمة من أبوظبي، ثلاث مرات أسبوعياً، تنقل السياح من مختلف أنحاء العالم، وتضخ الحياة في شرايين الاقتصاد، وتمنح أبناء الجزيرة فرصة العيش بكرامة.
كانت سقطرى يومها وجهة عالمية حقيقية، لا تحتاج إلى شعارات، بل كانت تتحدث عنها الأرض بمناظرها، والناس بكرمهم، والحياة بحركتها.
لكن ما إن دخلت طيران اليمنية على الخط، حتى بدأ كل شيء يختنق.
تحول الناقل الذي يفترض أن يكون جسراً وطنياً إلى بوابة ابتزاز، وأصبحت التذاكر حلماً بعيد المنال، وأسعارها كابوساً يفوق الخيال. مئات الدولارات يدفعها المواطن فقط ليصل إلى وطنه الأم، وكأن السفر لم يعد خدمة، بل امتيازاً يُمنح لمن يستطيع الدفع أكثر، أو لمن يملك “واسطة” أقوى.
أما المقاعد، فقد أصبحت تُدار بعقلية السوق السوداء، تختفي من النظام لتظهر في أيدي السماسرة، وتُحجب عن مستحقيها لتُمنح لأصحاب النفوذ. لم يعد هناك احترام لمريض ينتظر العلاج، ولا لطالب يسعى لمستقبله، ولا لمواطن يريد فقط أن يعبر البحر إلى بقية وطنه.
وفي الجانب الآخر، كانت الطعنة الأعمق في قلب السياحة.
شركات السياحة المحلية، التي بنت سمعة سقطرى حجراً فوق حجر، أصبحت ضحية لقرارات عبثية، وإلغاءات مفاجئة، ومقاعد محجوزة في الظل. سائح ينتظر فلا يجد مقعداً، وشركة تخسر، وسمعة تتآكل، واقتصاد يُخنق ببطء.
أي عبث هذا الذي يحول جزيرة عالمية إلى رهينة مكتب حجوزات؟
أي منطق هذا الذي يجعل “الناقل الوطني” أكبر معوق للتنمية بدل أن يكون شريكاً فيها؟
الأدهى والأخطر، أن كل ذلك يحدث تحت سمع وبصر وزارة النقل، التي اختارت الصمت، وكأن سقطرى خارج الجغرافيا، وخارج المسؤولية، وخارج الحساب.
اليوم، لم تعد طيران اليمنية في نظر كثير من أبناء سقطرى ناقلاً وطنياً، بل أصبحت رمزاً للاحتكار، وعنواناً للمعاناة، وأداة تخنق جزيرة بأكملها.
لقد تحولت من جسر أمل إلى جدار حصار…
ومن شريان حياة إلى أداة خنق…
ومن ناقل وطني إلى تاجر أزمات.
وسقطرى، التي كانت تستقبل العالم بثقة، أصبحت اليوم تسأل:
من يحميها من ناقلها الوطني؟
لأن السكوت لم يعد صبراً… بل تواطؤ.
ولأن ما يحدث لم يعد خللاً… بل سقوطاً أخلاقياً مدوياً.